﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطاب لعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج وابن زيد في آخرين : لمن ليبطئن هم المنافقون، وجعلوا من المؤمنين باعتبار الجنس، أو النسب، أو الانتماء إلى الإيمان ظاهراً. وقال الكلبي : نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه. وقيل : هم ضعفه المؤمنين. ويبعد هذا القول قوله : عند مصيبة المؤمنين ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ وقوله :
٢٩٠
﴿كَأَن لَّمْ تَكُنا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَه مَوَدَّةٌ﴾ ومثل هذا لا يصدر عن مؤمن، إنما يصدر عن منافق. واللام في ليبطئن لام قسم محذوف التقدير : للذي والله ليبطئن. والجملتان من القسم وجوابه صلة لمن، والعائد الضمير المستكن في ليبطئن.
قالو : وفي هذه الآية رد على من زعم من قدماء النحاة أنه لا يجوز وصل الموصول بالقسم وجوابه إذا كانت جملة القسم قد عريت من ضمير، فلا يجوز جاءني الذي أقسم بالله لقد قام أبوه، ولا حجة فيها لأنّ جملة القسم محذوفة، فاحتمل أن يكون فيها ضمير يعود على الموصول، واحتمل أنْ لا يكون. وما كان يحتمل وجهين لا حجة فيه على تعيين أحدهما، ومثل هذه الآية قوله تعالى :﴿وَإِنَّ كُلا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَـالَهُمْ﴾ في قراءة من نصب كلا وخفف ميم لما أي : وأن كلا للذي ليوفينهم على أحسن التخاريج. وقال ابن عطية : اللام في ليبطئن لام قسم عند الجمهور. وقيل : هي لام تأكيد بعد تأكيد انتهى. وهذا القول الثاني خطأ. وقرأ الجمهور : ليبطئن، بالتشديد. وقرأ مجاهد : ليبطئن بالتخفيف. والقراءتان يحتمل أن يكون الفعل فيهما لازماً، لأنهم يقولون : أبطأ وبطأ في معنى بطؤ، ويحتمل أن يكون متعدياً بالهمزة أو التضعيف من بطؤ، فعل اللزوم المعنى أنه يتثاقل ويثبط عن الخروج للجهاد، وعلى التعدّي أكثر المفسرين.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
﴿فَإِنْ أَصَـابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ المصيبة : الهزيمة. سميت بذلك لما يلحق الإنسان من العتب بتولية الإدبار وعدم الثبات. ومن العرب من يختار الموت على الهزيمة وقد قال الشاعر :
إن كنت صادقة كما حدثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشامترك الأحبة أن يقاتل عنهمونجا برأس طمره ولجام
عيره بالانهزام وبالفرار عن الأحبة. وقال آخر في المدح على الثبات في الحرب والقتل فيه :
وقد كان فوت الموت سهلاً فردهإليه الحفاظ المرء والخلق الوعرفأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر
وقيل : المصيبة القتل في سبيل الله، سموا ذلك مصيبة على اعتقادهم الفاسد، أو على أن الموت كله مصيبة كما سماه الله تعالى. وقيل : المصيبة الهزيمة والقتل. والشهيد هنا الحاضر معهم في معترك الحرب، أو المقتول في سبيل الله، يقوله المنافق استهزاء، لأنه لا يعتقد حقيقة المشهادة في سبيل الله.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٨٢
﴿وَلَـاِنْ أَصَـابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَه مَوَدَّةٌ يَـا لَيتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الفضل هنا : الظفر بالعدو والغنيمة. وقرأ الجمهور : ليقولن بفتح اللام. وقرأ الحسن : ليقولن بضم
٢٩١
اللام، أضمر فيه ضمير الجمع على معنى من. وقرأ ابن كثير وحفص. كأنْ لم تكن بتاء التأنيث، والباقون بالياء. وقرأ الحسن ويزيد النحوي : فأفوزُ برفع الزاي عطفاً على كنت، فتكون الكينونة معهم والفوز بالقسمة داخلين في التمني، أو على الاستئناف أي فأنا أفوز. وقرأ الجمهور : بنصب الزاي، وهو جواب التمني، ومذهبُ جمهور البصريين : أنّ النصب بإضمار أن بعد الفاء، وهي حرف عطف عطفت المصدر المنسبك من أن المضمرة والفعل المنصوب بها على مصدر متوهم. ومذهب الكوفيين : أنه انتصب بالخلاف، ومذهب الجرمي : أنه انتصب بالفاء نفسها، ويا عند قوم للنداء، والمنادي محذوف تقديره : يا قوم ليتني. وذهب أبو علي : إلى أن يا للتنبيه، وليس في الكلام منادى محذوف، وهو الصحيح. وكأنْ هنا مخففة من الثقيلة، وإذا وليتها الجملة الفعلية فتكون مبدوءة بقد، نحو قوله :
لا يهولنك اصطلاؤك للحرب فمحذورها كان قد ألما
أو بلم كقوله :"كان لم يكن" كان لم "تغن بالأمس" ووجدت في شعر عمار الكلبي ابتداءها في قوله :
بددت منها الليالي شملهمفكأن لما يكونوا قبل ثم