وينبغي التوقف في جواز ذلك حتى يسمع من لسان العرب. وقال ابن عطية : وكأنْ مضمنة معنى التشبيه، ولكنها ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر، وإنما تجيء بعدها الجمل انتهى. وهذا الذي ذكره غير محرر، ولا على إطلاقه. أما إذا خفقت ووليها ما كان يليها وهي ثقيلة، فالأكثر والأفصح أن ترتفع تلك الجملة على الابتداء والخبر، ويكون اسم كان ضمير شأن محذوفاً، وتكون تلك الجملة في موضع رفع خبر كان. وإذا لم ينو ضمير الشأن جاز لها أن تنصب الاسم إذا كان مظهراً، وترفع الخبر هذا ظاهر كلام سيبويه. ولا يخص ذلك بالشعر، فنقول : كأن زيداً قائم. قال سيبويه : وحدثنا من يوثق به أنه سمع من العرب من يقول : إن عمر المنطلق وأهل المدينة يقرؤون : وأن كلا لما يخففون وينصبون كما قال : كأن ثدييه حقان، وذلك لأن الحرف بمنزلة الفعل، فلما حذف من نفسه شيء لم يغير عمله، كما لم يغير عمل لم يك، ولم أبل حين حذف انتهى. فظاهر تشبيه سيبويه أن عمر المنطلق بقوله : كأن ثدييه
٢٩٢
حقان جواز ذلك في الكلام، وأنه لا يختص بالشعر.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩١
وقد نقل صاحب رؤوس المسائل : أن كأنْ إذا خفقت لا يجوز إعمالها عند الكوفيين، وأن البصريين أجازوا ذلك. فعلى مذهب الكوفيين قد يتمشى قول ابن عطية في أنَّ كانْ المخففة ليست كالثقيلة في الحاجة إلى الاسم والخبر، وأما على مذهب البصريين فلا، لأنها عندهم لا بد لها من اسم وخبر.
والجملة من قوله : كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة اختلف المفسرون فيها ونحن نسرد كلام من وقفنا على كلامه فيها. فنقول : قال الزمخشري : اعتراض بين الفعل الذي هو ليقولن، وبين مفعوله وهو يا ليتني، والمعنى : كأنْ لم يتقدم له معكم مودة، لأنّ المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن. والظاهر أنه تهكم، لأنهم كانوا أعدى عدوّ للمؤمنين وأشدهم حسداً لهم، فكيف يوصفون بالمودة إلا على وجه العكس تهكماً بحالهم ؟ وقال ابن عطية : المنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين. فعلى هذا يجيء قوله تعالى : كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، التفاتة بليغة واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم. وقال الزجاج : هذه الجملة اعتراض، أخبر تعالى بذلك لأنهم كانوا يوادون المؤمنين. وقال أيضاً، وتبعه الماتريدي هذا على التقديم والتأخير تقديره : فإنْ أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً، كأنْ لم تكن بينكم وبينه مودة، ولئن أصابكم فضل من الله. قال الراغب : وذلك مستقبح، فإنه لا يفصل بين الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى. وقال أيضاً : وتبعه أبو البقاء : موضع الجملة نصب على الحال كما تقول : مررت بزيد وكان لم يكن بينك وبينه معرفة، فضلاً عن مودة. وقال أبو علي الفارسي : هذه الجملة من قول المنافقين الذين أقعدوهم عن الجهاد وخرجوا هم، كأن لم تكن بينكم وبينه أي : وبين النبي صلى الله عليه وسلّم مودة فيخرجكم معهم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا بذلك الرسول إليهم. وتبع أبو علي في ذلك مقاتلاً. قال مقاتل : معناه كأنه ليس من أهل ملتكم ولا مودة بينكم، يريد : أنّ المبطىء قال لمن تخلف عن الغزو من المنافقين وضعفة المؤمنين، ومن تخلف بإذن كأن لم تكن بينكم وبين محمد مودة فيخرجكم إلى الجهاد، فتفوزون بما فاز. وقال أبو عبد الله الرازي : هو اعتراض في غاية الحسن، لأن من أحب إنساناً فرح عند فرحه، وحزن عند حزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة. فنقول : حكى تعالى عن المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاتته الغنيمة، فقبل أن يذكر الكلام بتمامه ألقى قوله : كأن لم يكن بينكم وبينه، والمراد التعجب. كأنه يقول تعالى : انظروا إلى ما يقوله هذا المنافق، كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودة أيها المؤمنون ولا مخالطة أصلاً، فهذا هو المراد من الكلام.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩١
وقال قتادة وابن جريج : قول المنافق : يا ليتني كنت معهم على معنى الحسد منه للمؤمنين في نيل رغبته.
وتلخص من هذه الأقوال أن هذه الجملة : إمّا أن يكون لها موضع من الإعراب نصب على الحال من الضمير المستكن في ليقولن، أو نصب على المفعول بيقولن على الحكاية، فيكون من جملة المقول، وجملة المقول هو مجموع الجملتين : جملة التشبيه، وجملة التمني. وضمير الخطاب للمتخلفين عن الجهاد، وضمير الغيبة في وبينه للرسول. وعلى الوجه الأول ضمير الخطاب للمؤمنين، وضمير الغيبة للقائل. وإمّا أن لا يكون لها موضع من الإعراب لكونها اعتراضاً في الأصل بين جملة الشرط وجملة القسم وأخرت، والنية بها التوسط بين الجملتين. أو لكونها اعتراضاً بين : ليقولن ومعموله الذي هو جملة التمني، ولبس اعتراضاً يتعلق بمضمون


الصفحة التالية
Icon