وكثرته، وهو بعيد. لأن لفظ لم رد في صدر أمر الله، وعدم استسلامهم له مع قولهم : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. وقال الزمخشري : لولا أخرتنا إلى أجل قريب استزادة في مدّة الكف، واستمهال إلى وقت آخر كقوله :﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾. وقال الراغب : وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، يجوز أن يكون تفوهوا به، ويجوز أن يكون اعتقدوه وقالوا في أنفسهم، فحكى تعالى ذلك عنهم تنبيهاً على أنهم لما استصعبوا ذلك دل استصعابهم على أنهم غير واثقين بأحوالهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٤
﴿قُلْ مَتَـاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ﴾ تقدم الكلام على كون متاع الدنيا قليلاً في قوله :﴿مَتَـاعٌ قَلِيلٌ﴾ وإنما قل : لأنه فان، ونعيم الآخرة مؤبد، فهو خير لمن اتقى الله وامتثل أمره في ما أحب، وفي ما كان شاقاً من قتال وغيره. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير : ولا يظلمون بالياء، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب، وهو التفات أي : لا تنقصون من أجور أعمالكم ومشاق التكاليف أدنى شيء، فلا ترغبوا عن الأجر.
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ أي : هذا التأخر الذي سألوه لا فائدة فيه، لأنه لا منجي من الموت سواء أكان بقتل أم بغيره، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة. وتحتمل هذه الجملة أن يكون ذلك تحت معمول قل، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله مستأنفاً بأنه لا ينجو من الموت أحد. والبروج هنا القصور في الأرض، قاله : مجاهد، وابن جريج، والجمهور. أو القصور من حديد، روي عن ابن عباس. أو قصور في سماء الدنيا مبنية قاله : السدّي. أو الحصون والآكام والقلاع قاله : ابن عباس. أو البيوت التي تكون فوق الحصون قاله : بعضهم. أو بروح السماء التي هي منازل القمر قاله : الربيع أنس، والثوري، وحكاه ابن القاسم عن مالك. وقال : ألا ترى إلى قوله :﴿وَالسَّمَآءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ وجعل فيها بروجاً ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا﴾ وقال زهير :
ومن هاب أسباب المنية يلقهاولو رام أسباب السماء بسلم
مشيدة مطولة قاله : أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة، والزجاج. أو مطلية بالشيد قاله : أبو سليمان الدمشقي. أو حصينة قاله : ابن عباس، وقتادة. ومن قال : أنها بروج في السماء فلأنها بيض شبهها بالمبيض بالشيد، ولهذا قال الذي هي قصور بيض في السماء مبنية.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٤
والجزم في يدرككم على جواب الشرط، وأينما تدل على العموم، وكأنه قيل : في أي مكان تكونون فيه أدرككم الموت. ولو هنا بمعنى إن، وجاءت لدفع توهم النجاة من الموت بتقدير : إن لو كانوا في بروج مشيدة، ولإظهار استقصاء العموم في أينما. وقرأ طلحة بن سليمان : يدرككم برفع الكافين، وخرجه أبو الفتح : على حذف فاء الجواب أي : فيدرككم الموت وهي قراءة ضعيفة. قال الزمخشري : ويجوز أن يقال : حمل على ما يقع موقع أينما تكونوا، وهو : أينما كنتم كما حمل ولا ناعب على ما يقع موقع ليسوا مصلحين، وهو ليسوا بمصلحين. فرفع كما رفع زهير يقول : لا غائب ما لي ولا حرم. وهو قول نحوي سيبويهي انتهى. ويعني : أنه جعل يدرككم ارتفع لكون أينما تكونوا في معنى أينما كنتم، بتوهم أنه نطق به. وذلك أنه متى كان فعل الشرط ماضياً في اللفظ فإنه يجوز في المضارع بعده وجهان : أحدهما : الجزم على الجواب. والثاني : الرفع. وفي توجيه الرفع خلاف، الأصح أنّه ليس الجواب، بل ذلك على التقديم والتأخير، والجواب محذوف. وإذا حذف الجواب فلا بد أن يكون فعل الشرط ماضي اللفظ، فتخريج هذه القراءة على هذا يأباه كون فعل الشرط مضارعاً. وحمله علي ولا ناعب ليس بجيد، لان ولا ناعب عطف على التوهم، والعطف على لتوهم لا ينقاس. وقال الزمخشري أيضاً ويجوز أن يتصل بقوله :﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ أي : لا تنقصون شيئاً مما كتب
٢٩٩