﴿وَأُوالَئاِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـانًا مُّبِينًا﴾ أي على أخذهم وقتلهم حجة واضحة، وذلك لظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإسلام، أو حجة ظاهرة حيث أذنا لكم في قتلهم. قال عكرمة : حيثما وقع السلطان في كتاب الله فالمراد به الحجة.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا﴾ روي أن عياش بن أبي ربيعة وكان أخا أبي جهل لأمه، أسلم وهاجر خوفاً من قومه إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأقسمت أمه لا تأكل ولا تشرب ولا يأويها سقف حتى يرجع، فخرج أبو جهل ومعه الحارث بن زيد بن أبي أنيسة فأتياه وهو في أطم، ففتك منه أبو جهل في الزرود والغارب وقال : أليس محمد بحثك على صلة الرحم ؟ انصرف وبرَّ أمك وأنت على دينك، حتى نزل وذهب معهما، فلما أبعدا عن المدينة كتفاه وجلده كل واحد مائة جلدة، فقال للحرث : هذا أخي، فمن أنت يا حارث الله ؟ عليّ إن وجدتك خالياً أن أقتلك. وقدما به على أمه فحلفت لا تحلّ كتافه أو يرتد، ففعل.
٣١٩
ثم هاجر بعد ذلك، وأسلم الحارث، وهاجر فلقيه عياش بظهر قبا ولم يشعر بإسلامه، فأنحى عليه فقتله، ثم أُخبر بإسلامه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال : قتلته ولم أشعر بإسلامه، فنزلت. وقيل : نزلت في رجل كان يرعى غنماً فقتله في بعض السرايا أبو الدرداء وهو يتشهد وساق غنمه، فعنفه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فنزلت. وقيل : نزلت في أبي حذيفة بن اليمان حين قتل يوم أحد خطأ. وقيل غير ذلك انتهى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار، ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالمحاربة، ومنها أن يظن رجلاً حربياً وهو مسلم فيقتله. وهذا التركيب تقدم نظيره في قوله :﴿أُوالَـا ئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلا خَآئِفِينَ﴾ وفي قوله :﴿وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ﴾ وكان يغني الكلام هناك عن الكلام هنا، ولكن رأينا جمع ما قاله من وقفنا على كلامه من المفسرين هنا.
قال الزمخشري : ما كان لمؤمن : ما صلح له، ولا استقام، ولا لاق بحاله، كقوله : وما كان لنبي أن يغل، وما يكون لنا أن نعود، أن يقتل مؤمناً ابتداء غير قصاص إلا خطأ على وجه الخطأ. (فإن قلت) : بما انتصب خطأ ؟ (قلت) : بأنه مفعول له أي : ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده، ويجوز أن يكون حالاً بمعنى : لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، وأن يكون صفة لمصدر أي : إلا قتلا خطأ. والمعنى : أنَّ من شأن المؤمن أن تنتفي عنه وجوه قتل المؤمن ابتداء البتة، إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي كافراً فيصيب مسلماً، أو يرمي شخصاً على أنه كافر فإذا هو مسلم. وقال ابن عطية : قال جمهور أهل التفسير : ما كان في إذن الله ولا في أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى استثناء منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي يكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير : ولكن الخطأ قد يقع، ويتجه وجه آخر وهو أن تقدر كان بمعنى استقر ووجد. كأنه قال : وما وجد ولا تقرر ولا ساع لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ إذ هو مغلوب فيه أحياناً، فيجيء الاستثناء على هذا غير منقطع، وتتضمن الآية على هذا إعظام العهد وبشاعة شأنه كما تقول : ما كان لك يا فلان إن تتكلم بهذا إلا ناسياً إعظاماً للعمد والقصد، مع حظر الكلام به البتة.