وقال الراغب : إنْ قيل : أيجوز أن يقتل المؤمن خطأ حتى يقال : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ قيل قولك يجوز أو لا يجوز ؟ إنما يقال في الأفعال الاختيارية المقصودة، فأما الخطأ فلا يقال فيه ذلك، وما كان لك أن تفعل كذا، وما كنت لتفعل كذا متقاربان، وهما لا يقالان بمعنى. وإن كان أكثر ما يقال الأول لما كان الإحجام عنه من قبل نفسه، أي : ما كان المؤمن ليقتل مؤمناً إلا خطأ ولهذا المعنى أراد من قال معناه : ما ينبغي للمؤمن أن يقتل مؤمناً متعمداً، لكن يقع ذلك منه خطأ. وكذا من قال : ليس في حكم الله أن يقتل المؤمن إلا خطأ. وقال الأصم : معناه ليس القتل لمؤمن بمتروك أن يقتضي له، إلا أن يكون قتله خطأ. وقال أبو عبد الله الرازي : وما كان أي : فيما آتاه الله، أو عهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك، والغرض منه بيان أن حرمة القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف. وقال أبو هاشم : تقدير الآية وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً ويبقى مؤمناً، إلا أن يقتله خطأ، فيبقى حينئذ مؤمناً، وهذا الذي قاله أبو هاشم قاله السدي. قال السدي : قتل المؤمن المؤمن يخرجه عن أن يكون مؤمناً، إلا أن يكون خطأ، وليس هذا معتقد أهل السنة والجماعة. وقيل : هو نفي جواز قتل المؤمن، ومعناه : النهي، وأفاد دخول كان أنه لم يزل حكم الله. وقال الماتريدي : الإشكال أن الله تعالى نهى المؤمن عن القتل مطلقاً، واستثنى الخطأ، والاستثناء من النفي إثبات، ومن التحريم إباحة، وقتل الخطأ ليس بمباح بالإجماع، وفي كونه حراماً كلام انتهى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وملخص ما بني على هذا أنه إن كان نفياً وأريد به معنى النهي كان استثناء منقطعاً إذ لا يجوز أن يكون متصلاً لأنه يصير المعنى :
٣٢٠
إلا خطأ فله قتله. وإن كان نفياً أريد به التحريم، فيكون استثناء متصلاً إذ يصير المعنى : إلا خطأ بأن عرفه كافراً فقتله، وكشف الغيب أنه كان مؤمناً، فيكون قد أبيح الإقدام على قتل الكفر، وإن كان فيهم من أسلم إذا لم يعلم بهم، فيكون الإستثناء من الحظر إباحة. وقال بعض أهل العلم : المعنى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ فيكون إلا بمعنى : ولا، وأنكر الفراء هذا القول، وقال : مثل هذا لا يجوز، إلا إذا تقدم استثناء آخر، ويكون الثاني عطف استثناء على استثناء، كما في قول الشاعر :
ما بالمدينة دار غير واحدةدار الخليفة إلا دار مروانا
وروى أبو عبيدة عن يونس أنه سأل رؤبة بن العجاج عن هذه الآية فقال : ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ، ولكنه أقام إلا مقام الواو، وهو كقول الشاعر :
وكل أخ مفارقه أخوهلعمر أبيك إلا الفرقدان
والذي يظهر أن قوله : إلا خطأ، استثناء منقطع، وهو قول الجمهور منهم : أبان بن تغلب. والمعنى : لكن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ، والقتل عند مالك عمد وخطأ، فيقاد باللطمة، والعضة، وضرب السوط مما لا يقتل غالباً. وعند الشافعي : عمد، وشبه عمد. ولا قصاص في شبه العمد، ولا الخطأ. وعند أبي حنيفة : عمد، وخطأ، وشبه، عمد، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد. والخطأ ضربان : أن يقصد رمي مشرك أو طائر فيصيب مسلماً، أو يظنه مشركاً لكونه عليه سيما أهل الشرك، أو في حيزهم. وشبه العمد ما يعمد بما لا يقتل غالباً من حجر أو عصا، وما ليس بخطأ ولا عمد ولا شبه عمد قتل الساهي والنائم. وقرأ الجمهور خطاء على وزن بناء. وقرأ الحسن والأعمش : على وزن سماء ممدوداً. وقرأ الزهري : على وزن عصا مقصوراً لكونه خفف الهمزة بإبدالها ألفاً، أو إلحاقاً بدم، أو حذف الهمزة حذفاً كما حذف لام دم. وقال ابن عطية : وجوه الخطأ كثيرة، ومربطها عدم القصد.
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَاًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِا إِلا أَن يَصَّدَّقُوا ﴾ التحرير : الإعتاق، والعتيق : الكريم، لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد. ومنه عتاق الطير، وعتاق الخيل لكرامها. وحر الوجه أكرم موضع
٣٢١
منه، والرقبة عبر بها عن النسمة، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأساً من الرقيق. والظاهر أنَّ كل رقبة اتصفت بأن يحكم لها بالإيمان منتظم تحت قوله : رقبة مؤمنة، انتظام عموم البدل. فيندرج فيها من ولد بين مسلمين، ومن أحد أبويه مسلم، صغيراً كان أو كبيراً، ومن سباه مسلم من دار الحرب قبل البلوغ.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١