وقال ابراهيم : لا يجزى إلا البالغ. وقال ابن عباس، والحسن، والشعبي، والنخعي، وقتادة، وغيرهم : لا يجزىء إلا التي صامت وعقلت الإيمان، لا يجزىء في ذلك الصغيرة. وقال أبو حنيفة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد بن زياد، وزفر : يجزى في كفارة القتل الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً. وقال عطاء : يجزىء الصغير المولود بين المسلمين. وقال مالك : من صلى وصام أحب إليّ، ولا خلاف أنّ قوله : ومن قتل مؤمناً، ينتظم الصغير والكبير، وكذلك ينبغي أن يكون في فتحرير رقبة مؤمنة. قال ابن عطية : وأجمع أهل العلم على أن الناقص النقصان الكبير كقطع اليدين والرجلين والأعمى، لا يجزىء فيما حفظت، فإن كان يسيراً يمكن معه المعيشة والتحرف كالعرج ونحوه ففيه قولان. وقال أبو بكر الرازي : لا خلاف بين الأمة أنه لا يجزىء في الكفارة أعمى، ولا مقعد، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين، ولا أشلهما، واختلفوا في الأعرج. وقال أبو حنيفة وأصحابه : يجزىء مقطوع إحدى اليدين أو الرجلين. وقال مالك والشافعي والأكثرون : لا يجزىء عند أكثرهم المجنون المطبق، ولا عند مالك الذي يجن ويفيق، ولا المعتق إلى سنين، ويجزئان عند الشافعي. ولا يجزىء المدبر عند مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي، ويجزىء في قول الشافعي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال مالك : لا يصح من أعتق بعضه، واختلفوا في سبب وجوب الكفارة في قتل الخطأ. فقيل : تمحيصاً وطَهر الذنب القاتل، حيث ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم. وقيل : لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الاحياء، لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق حياتها، من قبل أنّ الرقيق ممنوع من تصرّف الأحرار.
والظاهر أن وجوب التحرير والدية على القائل، لأنه مستقر في الكتاب والسنة : أن من فعل شيئاً يلزم فيه أمر من الغرامات مثل الكفارات، إنما يجب ذلك على فاعله. فأما التحرير ففي مال القاتل. وأما الدية فعلى العاقلة كلها في قول طائفة منهم : الأوزاعي، والحسن بن صالح. وما جاوز الثلث في قول الجمهور أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والليث، وابن شبرمة، وغيرهم. وأما الثلث ففي مال الجاني، ولم يجب عليهم إلا على سبيل المواساة. وهي خلاف قياس الأصول في الغرمات والمتلفات. والدية كانت مستقرة في الجاهلية. قال الشاعر :
نأسوا بأموالنا آثار أيدينا
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
ولم تتعرض الآية لمقدار ما يعطى في الدية، ولا من أي شيء تكون. فذهب أبو حنيفة : إلى أنها من الإبل مائة على ما يأتي تفصيلها، والدنانير والدراهم ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم. وقال أبو يوسف ومحمد : ومن البقر والشاة والحلل، وبه قالت طائفة من التابعين، وهو قول الفقهاء السبعة المدنيين. فمن البقر مائتا بقرة، ومن الشاة ألف شاة، ومن الحلل مائتا حلة، وذلك فعل عمر وجعله على كل أهل صنف من ذلك ما ذكر. وقال مالك : أهل الذهب أهل الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق، وأهل الإبل أهل البوادي، فلا يقبل من أهل الإبل إلا الإبل، ولا من أهل الذهب إلا الذهب، ولا من أهل الورق إلا الورق. وقالت طائفة منهم طاووس والشافعي : هي مائة من الإبل لا غير. قال الشافعي : والدراهم والدنانير بدل عنها إذا عدمت، وله قول آخر : إنه يجب اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار. قال أبو بكر الرازي : أجمع فقهاء الأمصار أبو حنيفة والشافعي ومالك أن دية الخطأ أخماس، واختلفوا في الأسنان. فقال أصحابنا جميعاً :
٣٢٢
عشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهو : مذهب ابن مسعود، وبه قال أحمد. وقال مالك : عشرون حقاقاً، وعشرون جذاعاً، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وحكى هذا عن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة والليث.
وقال الشافعي : الدية قسمان، مغلظة أثلاثاً، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، ومخففة أخماساً كقول مالك. وروي عن عطاء أن دية الخطأ أربع : خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، مثل أسنان الذكور. وقال عمر وزيد بن ثابت : في الخطا ثلاثون بنت لبون، وثلاثون جذعة، وعشرون ابن لبون، وعشرون بنت مخاض. وروي عنهما مكان الجذاع الحقات.
والظاهر أنه لا فرق بين القتل خطأ في الحرم وفي شهر حرام، وبينه في الحل، وفي شهر غير حرام. وسئل الأوزاعي عن القتل في الشهر الحرام، أو في الحرم، هل تغلظ فيه الدية ؟ فقال : بلغنا أنه إذا قتل في الشهر الحرام أو في الحرم زيد على القاتل الثلث، ويزاد في شبه العمد في أسنان الإبل.