﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ يعني : رقبة لم يملكها، ولا وجد ما يتوصل به إلى ملكها، فعليه صيام شهرين متتابعين. وظاهر الآية يقضي أنه لا يجب غير ذلك، إذ لو وجبت الدّية لعطفها على الصيام، وإلى هذا ذهب : الشعبي، ومسروق، وذهب الجمهور : إلى وجوب الدّية. قال ابن عطية : وما قاله الشعبي ومسروق وهم، لأنّ الدّية إنما هي على العاقلة وليست على القاتل انتهى. وليس بوهم، بل هو ظاهر الآية كما ذكرناه.
ومعنى التتابع : لا يتخللها فطر. فإن عرض حيض في أثنائه لم يعد قاطعاً بإجماع. وليس له أن يسافر فيفطر، والمرض كالحيض عند : ابن المسيب، وسليمان بن يسار، والحسن، والشعبي، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، وطاووس، ومالك. وقال ابن جبير، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وعطاء الخراساني، والحسن بن حي، وأبو حنيفة وأصحابه : يستأنف إذا أفطر لمرض. وللشافعي القولان. وقال
٣٢٥
ابن شبرمة : يقضي ذلك اليوم وحده إن كان عذر غالب كصوم رمضان.
﴿تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ انتصب على المصدر أي : رجوعاً منه إلى التسهيل والتخفيف، حيث نقلكم من الرقبة إلى الصوم. أو توبة من الله أي قبولاً منه ورحمة من تاب الله عليه إذا قبل توبته. ودعا تعالى قاتل الخطأ إلى التوبة، لأنه لم يتحرز، وكان من حقه أن يتحفظ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليماً بمن قتل خطأ، حكيماً حيث رتب ما رتب على هذه الجناية على ما اقتضته حكمته تعالى.
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُه جَهَنَّمُ خَـالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَه وَأَعَدَّ لَه عَذَابًا عَظِيمًا﴾ نزلت في مقيس بن صبابة حين قتل أخاه هشام بن صبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله صلى الله عليه وسلّم الدّية، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر مّا، فقتله مقيس، ورجع إلى مكة مرتداً وجعل ينشد :
قتلت به فهراً وحملت عقلهسراه بني النجار أرباب فارع
حللت به وتري وأدركت ثورتيوكنت إلى الأوثان أوّل راجع
فقال صلى الله عليه وسلّم :﴿لا أؤمنه في حل ولا حرم، وأمر بقتله يوم فتح مكة وهو متعلق بالكعبة" وهذا السبب يخص عموم قوله : ومن يقتل، فيكون خاصاً بالكافر، أو يكون على ما قال ابن عباس، قال : معنى متعمداً أي : مستحلاً، فهذا. يؤول أيضاً إلى الكفر. وأما إذا كانت عامة فيكون ذلك على تقدير شرط كسائر التوعدات على سائر المعاصي، والمعنى : فجزاؤه إن جازاه، أي : هو ذلك ومستحقه لعظم ذنبه، هذا مذهب أهل السنة. ويكون الخلود عبارة في حق المؤمن العاصي عن المكث الطويل، لا المقترن بالتأبيد، إذ لا يكون كذلك إلا في حق الكفار.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
وذهبت المعتزلة إلى عموم هذه الآية، وأنها مخصصة بعمومها لقوله :{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾
واعتمدوا على ما روي عن زيد بن ثابت أنه قال : نزلت الشديدة بعد الهينة، يريد نزلت : ومن يقتل مؤمناً بعدوٍ يغفر ما دون ذلك، فكأنه قيل : ويغفر ما دون ذلك إلا من قتل عمداً. وقد نازعوا في دلالة مَن الشرطية على العموم. وقيل : هو لفظ يقع كثيراً للخصوص كقوله :﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوالَئاِكَ هُمُ الْكَـافِرُونَ﴾ وليس من حكم من المؤمنين بغير ما أنزل الله بكافر. وقال الشاعر :
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحهيهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
وإذا سلم العموم فقد دخله التخصيص بالإجماع من المعتزلة وأهل السنة فيمن شهد عليه بالقتل عمداً أو أقرّ بأنه قتل عمداً، وأتى السلطان أو الأولياء فأقيم عليه الحد وقتل، فهذا غير متبع في الآخرة. والوعيد غير صائر إليه إجماعاً للحديث الصحيح من حديث عبادة :"أنه من عوقب في الدنيا فهو كفارة له" وهذا تخصيص للعموم. وإذا دخله التخصيص فيكون مختصاً بالكافر، ويشهد له سبب النزول كما قدمنا.
ولم تتعرض الآية لتوبة القاتل، وتكلم فيها المفسرون هنا. فقالت جماعة : لا تقبل توبته، روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس. وكان ابن عباس يقول : الشرك والقتل سهمان من مات عليهما خلد، وكان يقول : هذه الآية مدنية نسخت التي في الفرقان لأنها مكية. وكان ابن شهاب إذا سأله من يفهم منه أنه قتل قال له : توبتك مقبولة، ومن لم يقتل قال : لا توبة للقاتل. وروي عن ابن عباس في تفسير عبد بن حميد نحو من كلام ابن شهاب. وعن سفيان كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له. قال الزمخشري : وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلاً. وفي الحديث :"من أعان على قتل مسلم مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية
٣٢٦


الصفحة التالية
Icon