ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث القطعية، وقول ابن عباس مع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مناهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغيرتوبة، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
ثم ذكر الله تعالى التوبة في قتل الخطأ لما عسى أن يقع من نوع تفريط فيما يجب من الاحتياط والتحفظ فيه حسم للأطماع وأي حسم، ولكنْ لا حياة لمن تنادي. (فإن قلت) : هل فيها دليل على طرد من لم يتب من أهل الكبائر ؟ (قلت) : ما أبين الدليل فيها، وهو تناول قوله : ومن يقتل، أي قاتل كان من مسلم، أو كافر تائب، أو غير نائب، إلا أنَّ التائب أخرجه الدليل. فمن ادعى إخراج المسلم غير التائب فليأت بدليل مثله انتهى كلامه. وهو على طريقته الاعتزالية والتعرض لمخالفيه بالسب والتشنيع. وأما قوله : ما أبين الدليل فيها، فليس بين، لأن المدّعي هل فيها دليل على خلود من لم يتب من الكبائر، وهذا عام في الكبائر. والآية في كبيرة مخصوصة وهي : القتل لمؤمن عمداً، وهي كونها أكبر الكبائر بعد الشرك، فيجوز أن تكون هذه الكبيرة المخصوصة حكمها غير حكم سائر الكبائر، مخصوصة كونها أكبر الكبائر بعد الشرك، فلا يكون في الآية دليل على ما ذكر، فظهر أنّ قوله : ما أبين الدّليل منها، غير صحيح. واختلفوا في ما به يكون قتل العمد، وفي الحرّ يقتل عبداً عمداً مؤمناً، هل يقتص منه ؟ وذلك موضح في كتب الفقه. وانتصب متعمداً على الحال من الضمير المستكن في يقتل، والمعنى : متعمداً قتله. وروى عبدان عن الكسائي : تسكين تاء متعمداً، كأنه يرى توالي الحركات. وتضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعاً. التتميم في : ومن أصدق من الله حديثاً. والاستفهام بمعنى الإنكار في : فما لكم في المنافقين، وفي : أتريدون أن تهدوا. والطباق في : أن تهدوا من أضل الله. والتجنيس المماثل في : لو تكفرون كما كفروا، وفي : بينكم وبينهم، وفي : أن يقاتلوكم أو يقاتلوا، وفي : أن يأمنوكم ويأمنوا، وفي : خطأ وخطأ. والاستعارة في : بينكم وبينهم، وفي : حصرت صدورهم، وفي : فإن اعتزلوكم وألقوا إليكم السلم، وفي : سبيلاً وكلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم الآية. والاعتراض في : ولو شاء الله لسلطهم. والتكرار في مواضع. والتقسيم في : ومن قتل إلى آخره. والحذف في مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣١١
المغنم : مفعل من غنم، يصلح للزمان والمكان. والمصدر ويطلق على الغنيمة تسمية للمفعول بالمصدر أي : المغنوم، وهو ما يصيبه الرجل من مال العدو في الغزو. المراغم : مكان المراغمة، وهي : أن يرغم كل واحد من المتنازعين بحصوله في منعة منه أنف صاحبه بأن
٣٢٧
يغلب على مراده يقال : راغمت فلان إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك. والرغم الذل والهوان، وأصله : لصوق الأنف بالرغام، وهو التراب.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٢٧
﴿عَظِيمًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَـامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَواةِ﴾ روى البخاري ومسلم : أن رجلاً من سليم مرّ على نفر من الصحابة ومعه غنم، فسلم عليهم، فقالوا : ما سلم إلا ليتعوذ، فقتلوه وأخذوا غنمه وأتوا بها الرسول صلى الله عليه وسلّم فنزلت. وقيل : بعث سرية فيها المقداد، فتفرق القوم وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فتشهد، فقتله المقداد، فأخبر الرسول عليه السلام بذلك فقال :"أقتلت رجلاً قال لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غداً ؟" وقيل : لقي الصحابة المشركين فهزموهم، فشد رجل منهم على رجل، فلما غشيه السنان قال : إني مسلم، فقتله وأخذ متاعه، فرفع ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم فقال :"قتلته وقد زعم أنه مسلم ؟" فقال : قالها متعوذاً قال :"هلا شققت عن قلبه ؟" في قصة آخرها : أن القاتل مات فلفظته الأرض مرتين أو ثلاثاً، فطرح في بعض الشعاب. وقيل : هي السرية التي قتل فيها أسامة بن زيد مرداس بن نهيك من أهل فدك، وهي مشهورة. وقيل : بعث الرسول عليه السلام أبا حدرد الأسلمي وأبا قتادة ومحلم بن جثامة في سرية إلى أسلم، فلما بلغوا إلى عامر بن الأضبط الأشجعي حياهم بتحية الإسلام، فقتله محكم وسلبه، فلما قدموا قال :"أقتلته بعدما قال آمنت ؟" فنزلت.


الصفحة التالية
Icon