جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤١
وقرأ الحسن : تهنوا بفتح الهاء وهي لغة. فتحت الهاء كما فتحت دال يدع، لأجل حرف الحلق، والمعنى : ولا تضعفوا أو تخوروا جبناً في طلب القوم. وقرأ عبيد بن عمير : ولا تهانوا من الإهانة. نهوا عن أن يقع منهم ما يترتب عليه إهانتهم من كونهم يجنون على أعدائهم فيهانون كقولهم :"لا أريناك هاهنا"، ثم شجعهم على طلب القوم وألزمهم الحجة، فإنّ ما فيهم من الألم مشترك، وتزيدون عليهم أنكم ترجون من الله الثواب وإظهار دينه بوعده الصادق، وهم لا يرجونه، فينبغي أن تكونوا أشجع منهم وأبعد عن الجبن. وإذا كانوا يصبرون على الآلام والجراحات والقتل، وهم لا يرجون ثواباً في الآخرة، فأنتم أحرى أن تصبروا. ونظير ذكر هذا الأمر المشترك فيه قول الشاعر :
قاتلوا القوم يا خداع ولايأخذكم من قتالهم قتل
القوم أمثالكم لهم شعرفي الرأس لا ينشرون أن قتلوا
والرجاء هنا على بابه، وقيل : معناه الخوف الذي تخافون من عذاب الله ما لا تخافون كقوله :
٣٤٢
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها، أي : لم يخف. وزعم الفراء أنّ الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إلا مع النفي، ولا يقال رجوتك بمعنى خفتك. وقرأ الأعرج : أن تكونوا بفتح الهمزة على المفعول من أجله. وقرأ ابن المسيفع : تئلمون بكسر التاء. وقرأ ابن وثاب ومنصور بن المعتمر : تئلمون بكسر تاء المضارعة فيهما ويائهما، وهي لغة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليماً بنياتكم حكيماً فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَـابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّه وَلا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾ طوَّل المفسرون في سبب النزول، ولخصنا منه انتهاء ما في قول قتادة وغيره. نزلت في طعمة بن أبيرق، سرق درعاً في جرب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي، فحلف طعمة ما لي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال اليهودي : دفعها إليّ طعمة. وقيل : استودع يهودي درعاً فخانه، فلما خاف اطلاعهم عليها ألقاها في دار أبي مليك الأنصاري. قال السدي : وقيل : السلاح والطعام كان لرفاعة بن زيد عم قتادة، وأن بني أبريق نقبوا مشربيته وأخذوا ذلك، وهم بشير بضم الباء ومبشر وبشر، وأهموا أنَّ فاعل ذلك هو لبيد بن سهل، فشكاهم قتادة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأن الرسول همَّ أن يجادل عن طعمه، أو عن أبيرق، ويقال فيه : طعيمة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤١
وقال الكرماني : أجمع المفسرون على أنّ هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق أحمد بني ظفر بن الحرث، إلا ابن بحر فإنه قال : نزلت في المنافقين، وهو متصل بقوله :﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَـافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ انتهى. وفي هذه الآية تشريف للرسول صلى الله عليه وسلّم، وتفويض الأمور إليه بقوله : لتحكم بين الناس بما أراك الله.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه لما صرح بأحوال المنافقين، واتصل بذلك أمر المحاربة وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية، رجع إلى أحوال المنافقين، فإنهم خانوا الرسول على ما لا ينبغي، فأطلعه الله على ذلك وأمره أن لا يلتفت إليهم، وكان بشير منافقاً ويهجو الصحابة وينحل الشعر لغيره، وأما طعمة فارتد، وأنه لما بين الأحكام الكثيرة عرف أنّ كلها من الله، وأنه ليس للرسول أن يحيد عن شيء منها طلباً لرضا قوم. أو أنه لما أنه يجاهد الكفار، أنه لا يجوز إلحاق ما لم يفعلوا بهم، وأنّ كفره لا يبيح المسامحة في النظر إليه، بل الواجب في الدين أن يحكم له وعليه بما أنزل الله، ولا يلحق به حيف لأجل أن يرضي المنافق.
والكتاب هنا القرآن. ومعنى بالحق : أي لا عوج فيه ولا ميل. والناس هنا عام، وبما أراك الله بما أعلمك من الوحي. وقيل : بالنظر الصحيح فإنه محروس في اجتهاده، معصوم في الأقوال والأفعال. وقيل : بما ألقاه في قلبك من أنوار المعرفة وصفاء الباطن. وعن عمر :"لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه، لأن الرأي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلّم مصيباً، لأن الله تعالى كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكليف دون الإهمال، أو بماله عاقبة حميدة، لأن ما ليس كذلك عبث وباطل". وقال الماتريدي : بالحق أي : موافقاً لما هو الحق على العباد، ولما لبعضهم على بعض ليعلموا بذلك، أو بياناً لأمره. وحق كائن ثابت وهو البعث والقيامة، ليتزودوا له. أو بما يحمل عليهم فاعله، أو بالعدل والصدق على الأمن من التغيير والتبديل. بما أراك الله : فيه دليل جواز اجتهاده، واجتهاده كالنص، لأن الله تعالى أخبر أنه يريه ذلك أو لا يريه غير الصواب انتهى كلامه.


الصفحة التالية
Icon