﴿لا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـاحا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الضمير في نجواهم عائد على قوم طعمة الذين تقدم ذكرهم قاله : ابن عباس وغيره. وقال مقاتل : هم قوم من اليهود ناجوا قوم طعمة، واتفقا معهم على التلبيس على الرسول صلى الله عليه وسلّم في أمر طعمة. وقال ابن عطية : هو عائد على الناس أجمع.
وجاءت هذه الآيات عامة فاندرج أصحاب النازلة وهم
٣٤٨
قوم طعمة في ذلك العموم، وهذا من باب الإيجاز والفصاحة، لكون الماضي والمغاير تشملهما عبارة واحدة انتهى. وهذا الاستثناء منقطع إن كان النجوى مصدراً، ويمكن اتصاله على حذف مضاف أي : إلا نجوى من أمر، وقاله : أبو عبيدة. وإن كان النجوى المتناجين قيل : ويجوز في : مِن الخفض من وجهين : أن يكون تابعاً لكثير، أو تابعاً للنجوى، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد إن شئت اتبعت زيد الجماعة، وإن شئت اتبعته القوم. ويجوز أن يكون مِن أمر مجروراً على البدل من كثير، لأنه في حيز النفي، أو على الصفة. وإذا كان منقطعاً فالقدير : لكن مَن أمر بصدقة فالخير في نجواه. ومعنى أمر : حث وحض. والصدقة تشمل الفرض والتطوّع. والمعروف عام في كل بر. واختاره جماعة منهم : أبو سليمان الدمشقي، وابن عطية. فيندرج تحته الصدقة والاصلاح. لكنهما جردا منه واختصا بالذكر اهتماماً، إذ هما عظيما الغذاء في مصالح العباد. وعطف بأو فجعلا كالقسم المعادل مبالغة في تجريدهما، حتى صار القسم قسيماً. وقيل : المعروف الفرض. روي ذلك عن ابن عباس ومقاتل. وقيل : إغاثة الملهوف. قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب، وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوع انتهى. وفي الحديث الصحيح :"كلُّ كلام ابن آدم عليه لا له إلا مَن كان أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله تعالى". وحدّث سفيان الثوري بهذا الحديث أقواماً فقال أحدهم : ما أشد هذا الحديث فقال : ألم تسمع كل معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلقٍ. وقال الحطيئة :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
وظاهر قوله : أو إصلاح بين الناس، أنه في كل شيء يقع فيه اختلاف ونزاع. وقيل : هو خاص بالإصلاح بين طعمة واليهودي المذكورين. قال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه : ذكر ثلاثة أنواع، لأن عمل الخير إما أن يكون بدفع المضرة وإليه الإشارة بقوله : أو إصلاح بين الناس. أو بإيصال المنفعة إما جسمانياً وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله : بصدقة. أو روحانياً وهو تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله : أو معروف.
وقال الراغب : يقال لكل ما يستحسنه العقل ويعرفه معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره منكر. ووجه ذلك أنه تعالى ركّز في العقول معرفة الخبر والشر، وإليه أشار بقوله :﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ﴿عَبْدُ اللَّهِ﴾ وعلى ذلك ما اطمأنت إليه النفس لمعرفتها به انتهى. وهذه نزغة اعتزالية في أنّ العقل يحسن ويقبح. وقيل : هذه الثلاثة تضمنت الأفعال الحسنة، وبدأ بأكثرها نفعاً وهو إيصال النفع إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي من الإحسان والتفضل، والإصلاح بين الناس على سياستهم، وما يؤدي إلى نظم شملهم انتهى. وقال عليه السلام :"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قيل : بلى يا رسول الله، قال : صلاح ذات البين" وخصّ مَن أمر بهذه الأشياء، وفي ضمن ذلك أنّ الفاعل أكثر استحقاقاً من الأمر، وإذا كان الخير في نجوى الأمر به فلا يكون في من يفعله بطريق الأولى..
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَالِكَ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لما ذكر أن الخير في مَن أمر ذكر ثواب من فعل، ويجوز أن يريد : ومن يأمر بذلك، فيعبر بالفعل عن الأمر، كما يعبر به عن سائر الأفعال. وقرأ أبو عمرو وحمزة : يؤتيه بالياء، والباقون بالنون على سبيل الالتفات، ليناسب ما بعده من قوله :﴿نُوَلِّهِا مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ﴾ فيكون إسناد الثواب والعقاب إلى ضمير المتكلم العظيم، وهو أبلغ من إسناده إلى ضمير الغائب. ومن قرأ بالياء لحظ الإسم الغائب في قوله : ابتغاء
٣٤٩
مرضاة الله، وفي قوله : ابتغاء مرضاة الله دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا الله تعالى، وخلوصه لله دون رياء ولا سمعة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧