﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنا بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِا مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِا جَهَنَّمَا وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾ نزلت في طعمة بن أبيرق لما فضحه الله بسرقته، وبرّأ اليهودي، ارتد وذهب إلى مكة وتقدّم ذلك موته وسببه. ومما قيل فيه : إنه ركب في سفينة فسرق منها مالاً فعلم به، فألقي في البحر. وقيل : لما سرق الحجاج السلمي استحى الحجاج منه لأنه كان ضيفه فأطلقه، فلحق بحيرة بني سليم فعبد صنماً لهم ومات على الشرك. وقيل : نزلت في قوم طعمة قدموا فأسلموا، ثم ارتدّوا. وتقدم معنى المشاقة في قوله :﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ ومن يشاقق : عام فيندرج فيه طعمة وغيره من المشاقين من بعد ما تبين له الهدى : أي اتضح له الحق الذي هو سبب الهداية. ولو لم يكن إلا إخبار الله نبيه عليه السلام بقصة طعمة وإطلاعه إياه على ما بيتوه وزوّروه، لكان له في ذلك أعظم وازع وأوضح بيان، وكان ذنب من يعرف الحق ويزيغ عنه أعظم من ذنب الجاهل، لأنّ من لا يعرف الحق يستحق العقوبة لترك المعرفة، لأن العمل لا يلزمه حتى يعرفه، أو يعرفه من يصدقه. والعالم يستحق العقوبة بترك استعمال ما يقتضيه معرفته، فهو أعظم جرماً إذا اطلع على لحق وعمل بخلاف ما يقتضيه على سبيل العناد لله تعالى، إذ جعل له نور يهتدي به. وسبيل المؤمنين : هو الدين الحنيفي الذي هم عليه. وهذه الجملة المعطوفة هي على سبيل التوكيد والتشنيع، وإلا فمن يشاقق الرسول هو متبع غير سبيل المؤمنين ضرورة، ولكنه بدأ بالأعظم في الإثم، وأتبع بلازمه توكيداً.
واستدل الشافعي وغيره بهذه الآية على أن الإجماع حجة. وقد طول أهل أصول الفقه في تقرير الدلالة منها، وما يرد على ذلك وذلك مذكور في كتب أصول الفقه. وقال الزمخشري : هو دليل على أنّ الإجماع حجة لا يجوز مخالفتها، كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأن الله تعالى جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول انتهى كلامه.
وما ذكره ليس بظاهر الآية المرتب على وصفين اثنين، لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما، فالوعيد إنما ترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول واتباع سبيل غير المؤمنين، ولذلك كان الفعل معطوفاً على الفعل، ولم يعد معه اسم شرط. فلو أعيد اسم الشرط وكان، يكون ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ومن يتبع غير سبيل المؤمنين لكان فيه ظهور مّا على ما ادّعوا، وهذا كله على تسليم أن يكون قوله : ويتبع غير سبيل المؤمنين مغايراً لقوله : ومن يشاقق الرسول. وقد قلنا : إنه ليس بمغاير، بل هو أمر لازم لمشاقة الرسول، وذلك على سبيل المبالغة والتوكيد وتفظيع الأمر وتشنيعه. والآية بعد هذا كله هي وعيد الكفار، فلا دلالة على جزئيات فروع مسائل الفقه. واستدل بهذه الآية
٣٥٠
على وجوب عصمة الرسول صلى الله عليه وسلّم، وعلى أن كل مجتهد يسقط عنه الإثم. ومعنى قوله : ما تولى قال ابن عطية : وعيد بأن يترك مع فاسد اختياره. وقال الزمخشري : يجعله بالياء، وما تولى من الضلالة بأن تخذله وتخلى بينه وبين ما اختار انتهى. وهذا على منزعه الاعتزالي. وقرىء : وتصله بفتح النون من صلاه. وقرأ ابن أبي عيلة : يوله ويصله بالياء فيهما جرياً على قوله : فسوف يؤتيه بالياء، وفي هاء نوله ونصله : الإشباع والاختلاس والإسكان وقرىء بها.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِا وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَن يَشَآءُا وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـا﴾ تقدّم مثل تفسير هذه الآية، ونزلت قيل : في طعمة. وقيل : في نفر من قريش أسلموا ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين. وقيل : في شيخ قال : لم أشرك بالله منذ عرفته، إلا أنه كان يأتي ذنوباً، وأنه ندم واستغفر، إلا أنّ آخر ما تقدّم فقد افترى إثماً عظيماً، وآخر هذه فقد ضل ضلالاً بعيداً ختمت كل آية بما يناسبها. فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك قد أشركوا بالله مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله تعالى والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراء واختلافاً مبالغاً في العظم والجرأة على الله.