وهذه الآية هي في ناس مشركين ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم بالهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالاً يستبعد وقوعه، أو يبعد عن الصواب. ولذلك جاء بعده :﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِا إِلا إِنَاثًا﴾ وجاء بعد تلك :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم﴾ وقوله :﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ولم يختلف أحد من المتأولين في أنّ المراد بهم اليهود، وأن كان اللفظ عاماً. ولما كان الشرك من أعظم الكبائر، كان الضلال الناشىء عنه بعيداً عن الصواب، لأن غيره من المعاصي وإن كان ضلالاً لكنه قريب من أن يراجع صاحبه الحق، لأن له رأس مال يرجع إليه وهو الإيمان، بخلاف المشرك. ولذلك قال تعالى :﴿يَدْعُوا مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّه وَمَا لا يَنفَعُهُا ذَالِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وناسب هنا ذكر الضلال لتقدم الهدى قبله.
﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِا إِلا إِنَاثًا﴾ المعنى : ما يعبدون من دون الله ويتخذونه إلهاً إلا مسميات تسمية الإناث. وكنى بالدعاء عن العبادة، لأنّ من عبد شيئاً دعاه عند حوائجه ومصالحه. وكانوا يحلون الأصنام بأنواع الحلى، ويسمونها أنثى وإناث، جمع أنثى كرباب جمع ربى. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة : المراد الخشب والحجارة، فهي مؤنثات لا تعقل، فيخبر عنها كما يخبر عن المؤنث من الأشياء. فيجيء قوله : إلا إناثاً، عبارة عن الجمادات. وقال أبو مالك والسدي وابن زيد وغيرهم : كانت العرب تسمي أصنامها بأسماء مؤنثة كاللات
٣٥١
والعزى ومناة ونايلة. ويردّ على هذا بأنها كانت تسمى أيضاً بأسماء مذكرة : كهبل، وذي الخلصة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
وقال الضحاك وغيره : المراد ما كانت العرب تعتقده من تأنيث الملائكة وعبادتهم إياها، فقيل لهم : هذا على إقامة الحجة من فاسد قولهم. وقال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان، وفي هذا تعبيرهم بالتأنيث لنقصه وخساسته بالنسبة للتذكير. وقال الراغب : أكثر ما عبدته العرب من الأصنام كانت أشياء منفعلة غير فاعلة، فبكتهم الله تعالى أنهم مع كونهم فاعلين من وجه يعبدون ما ليس هو إلا منفعلاً من كل وجه، وعلى هذا نبه إبراهيم عليه السلام بقوله :﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾.
وقرأ أبو رجاء : إنْ تدعون بالتاء على الخطاب، ورويت عن عاصم. وفي مصحف عائشة رضي الله عنها : إلا أوثاناً جمع وثن، وهو الصنم. وقرأ بذلك أبو السوار والهناي. وقرأ الحسن : إلا أنثى على التوحيد. وقرأ ابن عباس، وأبو حيوة، والحسن، وعطاء، وأبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القاري : أنثاً. قال الطبري : فيما حكى إناث كثمار وثمر. وقال غيره : أنث جمع أنيث، كغرير وغرر. وقال المغربي : إلا إناثاً إلا ضعافاً عاجزين لا قدرة لهم، يقال : سيف أنيث وميناثة بالهاء وميناث غير قاطع. قال الشاعر :
فتخبرني بأن العقل عنديجراز لا أقل ولا أنيث
أنث في أمره لان، والأنيث المخنث الضعيف من الرجال. وقرأ سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأبو المتوكل، وأبو الجوزاء : إلا وثناً بفتح الواو والثاء من غير همزة. وقرأ ابن المسيب، ومسلم بن جندب، ورويت عن ابن عباس، وابن عمر، وعطاء : الاأنثا، يريدون وثناً، فأبدل الهمزة واواً، وخرج على أنه جمع جمع إذ أصله وثن، فجمع على وثان كجعل وجمال، ثم وثان على وثن كمثال، ومثل وحمار وحمر. قال ابن عطية : هذا خطأ، لأن فعالاً في جمع فعل إنما هو للتكثير، والجمع الذي هو للتكثير لا يجمع، وإنما يجمع جموع التقليل، والصواب أن يقال : وثن جمع وثن دون واسطة، كأسد وأسد انتهى. وليس قوله : وإنما يجمع جموع التقليل بصواب، كامل الجموع مطلقاً لا يجوز أن تجمع بقياس سواء كانت للتكثير أم للتقليل، نص على ذلك النحويون. وقرأ أيوب السجستاني : الاوثنا بضم الواو والثاء من غير همزة، كشقق. وقرأت فرقة : الا ثنا بسكون الثاء، وأصله وثناً، فاجتمع في هذا اللفظ ثماني قراآت : إناثاً، وأنثاً، وأوثاناً، ووثناً، ووثنا، واثناً، وأثنا.
﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَّعَنَهُ اللَّهُ﴾ المراد به إبليس قاله : الجمهور، وهو الصواب، لأن ما قاله بعد ذلك مبين أنه هو. وقيل : الشيطان المعين بكل صنم : أفرد لفظاً وهو مجموع في المعنى الواحد يدل على الجنس. قيل ؛ كان يدخل في أجواف الأصنام فيكلم داعيها، ويحتمل أن يكون لعنه الله صفة، وأن يكون خبراً عنه. وقيل : هو دعاء، ولا يتعارض الحصران، لأن دعاء الأصنام ناشىء عن دعائهم الشيطان، لما عبدوا الشيطان أغراهم بعبادة الأصنام، أو لاختلاف الدعاءين، فالأول عبادة، والثاني طواعية. وقال ابن عيسى : هو مثل :﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَاكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ يعني : أن نسبة دعائهم الأصنام هو على سبيل المجاز. وأما في الحقيقة فهم يدعون الشيطان.


الصفحة التالية
Icon