أنّ ذلك لا يجوز إلا في الشعر، لكن قد ذكرت دلائل جواز ذلك في الكلام. وأمعنتُ في ذكر الدلائل على ذلك في تفسير قوله :﴿وَكُفْرُا بِهِ﴾ و﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وليس مختلاً من حيث اللفظ، لأنّا قد استدللنا علي جواز ذلك، ولا من حيث المعنى كما زعم الزمخشري، بل المعنى عليه ويكون على تقدير حذف أي : يفتيكم في مثلوهن وفيما يتلى عليكم في الكتاب، من إضافة متلو إلى ضميرهن سائغة، إذ الإضافة تكون لأدنى ملابسة لما كان متلواً فيهن صحت الإضافة إليهما. ومن ذلك قول الشاعر :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة
وأما قول الزمخشري : لاختلاله في اللفظ والمعنى فهو قول الزجاج بعينه. قال الزجاج : وهذا بعيد، لأنه بالنسبة إلى اللفظ وإلى المعنى، أما للفظ فإنه يقتضي عطف المظهر على المضمر، وذلك غير جائز. كما لم يجز قوله :﴿تَسَآءَلُونَ بِهِا وَالارْحَامَ﴾ وأما المعنى فإنه تعالى أفتى في تلك المسائل، وتقدير العطف على الضمير يقتضي أنه أفتى فيما يتلى عليكم في الكتاب. ومعلوم أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أنه تعالى يفتي فيما سألوه من المسائل انتهى كلامه. وقد بينا صحة المعنى على تقدير ذلك المحذوف، والرفع على العطف على الله، أو على ضمير يخرجه عن التأسيس. وعلى الجملة تخرج الجملة بأسرها عن التأسيس، وكذلك الجر على القسم. فالنصب بإضمار فعل، والعطف على الضمير يجعله تأسيساً. وإذا أراد الأمرين : التأسيس والتأكيد، كان حمله على التأسيس هو الأولى، ولا يذهب إلى التأكيد إلا عند اتضاح عدم التأسيس. وتقدم الكلام في تعلق قوله :"في يتامى النساء". وقال الزمخشري :(فإن قلت) : بم تعلق قوله : في يتامى النساء ؟ (قلت) : في الوجه الأول هو صلة يتلى أي : يتلى عليكم في معناهن : ويجوز أن يكون في يتامى النساء بدلاً من فيهنّ. وأما في الوجهين الأخيرين فبدل لا غير انتهى كلامه. ويعني بقوله في الوجه الأول : أن يكون وما يتلى في موضع رفع، فأما ما أجازه في هذا الوجه من أنه يكون صلة يتلى فلا يتصوّر إلا إن كان في يتامى بدلاً من في الكتاب، أو تكون في للسبب، لئلا يتعلق حرفا جر بمعنى واحد بفعل واحد، فهو لا يجوز إلا إن كان على طريقة البدل أو بالعطف. وأما ما أجازه في هذا الوجه أيضاً من أن في يتامى بدل من فيهن، فالظاهر أنه لا يجوز للفصل بين البدل والمبدل منه بالعطف. ونظير هذا التركيب : زيد يقيم في الدار وعمرو في كسر منها، ففصلت بين في الدار وبين في كسر منها بالعطف، والتركيب المعهود : زيد يقيم في الدار في كسر منها. وعمرو واتفق من وقفنا على كلامه في التفسير على أنّ هذه الآية إشارة إلى ما مضى في صدر هذه السورة وهو قوله تعالى :
٣٦١
﴿وَءَاتُوا النِّسَآءَ صَدُقَـاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وقوله :﴿وَءَاتُوا الْيَتَـامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ وقوله :﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِى الْيَتَـامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ قالت عائشة رضي الله عنها : نزلت هذه الآية يعني : وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى أوّلاً، ثم سأل ناس بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن أمر النساء فنزلت :﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَآءِا قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وما يتلى عليكم فعلى ما قاله المفسرون وما نقل عن عائشة يكون يفتيكم ويتلى فيه وضع المضارع موضع الماضي، لأن الإفتاء والتلاوة قد سبقت. والإضافة في يتامى النساء من باب إضافة الخاص إلى العامّ، لأن النساء ينقسمن إلى يتامى وغير يتامى. وقال الكوفيون : هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا عند البصريين لا يجوز، وذلك مقرر في علم النحو.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
وقال الزمخشري :(فإن قلت) : الإضافة في يتامى النساء ما هي ؟ (قلت) : إضافة بمعنى من هي إضافة الشيء إلى جنسه، كقولك : خاتم حديد، وثوب خز، وخاتم فضة. ويجوز الفصل واتباع الجنس لما قبله ونصبه وجره بمن، والذي يظهر في يتامى النساء وفي سحق عمامة أنها إضافة على معنى اللام، ومعنى اللام الاختصاص. وقرأ أبو عبد الله المدني : في يتامى النساء بياءين، وأخرجه ابن جني على أن الأصل أيامى، فأبدل من الهمزة ياء، كما قالوا : باهلة بن يعصر، وإنما هو أعصر سمي بذلك لقوله :
أثناك أن أباك غير لونهكر الليالي واختلاف الأعصر
وقالوا في عكس ذلك : قطع الله أيده يريدون يده، فأبدل من الياء همزة. وأيامى جمع أيم على وزن فعيل، وهو مما اختص به المعتل، وأصله : أيايم كسيايد جمع سيد، قلبت اللام موضع العين فجاء أيامى، فأبدل من الكسرة فتحة انقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. وقال ابن جني : ولو قال قائل كسر أيم على أيمي على وزن سكرى، ثم كسر أيمي على أيامي لكان وجهاً حسناً.