ومعنى ما كتب لهنّ قال ابن عباس، ومجاهد، وجماعة : هو الميراث. وقال آخرون : هو الصداق، والمخاطب بقوله : لا تؤتونهنّ أولياء المرأة كانوا يأخذون صدقات النساء ولا يعطونهن شيئاً. وقيل : أولياء اليتامى كانوا يزوجون اليتامى اللواتي في حجورهن ولا يعدلون في صدقاتهن. وقرىء : ما كتب الله لهن. وقال أبو عبيدة : وترغبون أن تنكحوهن، هذا اللفظ يحتمل الرغبة والنفرة فالمعنى في الرغبة في أن تنكحوهن لما لهن أو لجمالهن، والنفرة وترغبون عن أن تنكحوهن لقبحهن فتمسكوهن رغبة في أموالهن. والأول قول عائشة رضي الله عنها وجماعة انتهى. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى، فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل : هي غنية جميلة قال له : اطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع. وإذا قيل : هي دميمة فقيرة قال له : أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك. والمستضعفين معطوف على يتامى النساء، والذي تلي فيهم قوله تعالى :﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى ﴾ الآية وذلك أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير، وكان الكبير ينفرد بالمال، وكانوا يقولون : إنما يرث من يحمي الحوزة ويرد الغنيمة، ويقاتل عن الحريم، ففرض الله تعالى لكل واحد حقه. ويجوز أن يكون خطاباً للأوصياء كقوله :﴿أَمْوَالَهُم وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ وقيل : المستضعفين هنا العبيد والإماء.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
﴿وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَـامَى بِالْقِسْطِ﴾ هو في موضع جر عطفاً على ما قبله أي : وفي أن تقوموا. والذي تلي في هذا المعنى قوله تعالى :﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم. والقسط : العدل. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون منصوباً بمعنى ويأمركم أن تقوموا. وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم، ويستوفوا لهم حقوقهم، ولا يخلوا أحداً يهتضمهم انتهى. وفي ري الظمآن : ويحتمل أن يرفع، وأن تقوموا بالابتداء وخبره محذوف أي : خير
٣٦٢
لكم انتهى. وإذا أمكن حمله على غير حذف بكونه قد عطف على مجرور كان أولى من إضمار ناصب، كما ذهب إليه الزمخشري. ومن كونه مبتدأ قد حذف خبره.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِا عَلِيمًا﴾ لما تقدم ذكر النساء، ويتامى النساء، والمستضعفين من الولدان، والقيام بالقسط، عقب ذلك بأنه تعالى يعلم ما يفعل من الخير بسبب من ذكر، فيجازي عليه بالثواب الجزيل. واقتصر على ذكر فعل الخير لأنه هو الذي رغب فيه، وإن كان تعالى يعلم ما يفعل من خير ومن شر، ويجازي على ذلك بثوابه وعقابه.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنا بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ﴾ نزلت بسبب ابن بعكك وامرأته قاله : مجاهد. وبسبب رافع بن خديج وامرأته خولة بنت محمد بن مسلمة، وكانت قد أسنت فتزوج عليها شابة فآثرها، فلم تصبر خولة فطلقها ثم راجعها، وقال : إنما هي واحدة، فإما أن تقوى على الإثرة وإلا طلقتك ففرت. قاله : عبيدة، وسليمان بن يسار، وابن المسيب. أو بسبب النبي صلى الله عليه وسلّم وسودة بنت زمعة خشيت طلاقها فقالت : لا تطلقني واحبسني مع نسائك، ولا تقسم لي، ففعل، فنزلت قاله : ابن عباس وجماعة.
والخوف هنا على بابه، لكنه لا يحصل إلا بظهور أمارات ما تدل على وقوع الخوف. وقيل : معنى خافت علمت. وقيل : ظنت. ولا ينبغي أن يخرج عن الظاهر، إذ المعنى معه يصح. والنشوز : أن يجافى عنها بأن يمنعها نفسه ونفقته، والمودة التي بينهما، وأن يؤذيها بسبب أو ضرب. والإعراض : أن يقل محادثتها ومئانستها لطعن في سن أو دمامة، أو شين في خلق أو خلق أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك، وهو أخف النشوز. فرفع الجناح بينهما في الصلح بجميع أنواع من بذل من الزوج لها على أن تصبر، أو بذل منها له على أن يؤثرها وعن أن يؤثر وتتمسك بالعصمة، أو على صبر على الإثرة ونحو ذلك، فهذا كله مباح. ورتب رفع الجناح على توقع الخوف، وظهور أمارات النشوز والإعراض، وهو مع وقوع تلك وتحققها أولى. لأنه إذا أبيح الصلح مع خوف ذلك فهو مع الوقوع أوكد، إذ في الصلح بقاء الألفة والمودّة. ومن أنواع الصلح أن تهب يومها لغيرها من نسائه كما فعلت سودة، وأن ترضى بالقسم لها في مذة طويلة مرة، أو تهب له المهر أو بعضه، أو النفقة، والحق الذي للمرأة على الزوج هو المهر والنفقة، والقسم هو على إسقاط ذلك أو شيء منه على أن لا يطلقها، وذلك جائز.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧