وقرأ الكوفيون : يصلحا من أصلح على وزن أكرم. وقرأ باقي السبعة : يصالحا، وأصله يتصالحا، وأدغمت التاء في الصاد. وقرأ عبيدة السلماني : يصالحا من المفاعلة. وقرأ الأعمش : أن أصالحا، وهي قراءة ابن مسعود، جعل ماضياً. وأصله تصالح على وزن تفاعل، فأدغم التاء في الصاد، واجتلبت همزة الوصل، والصلح ليس مصدر الشيء من هذه الأفعال التي قرئت، فإن كان اسماً لما يصلح به كالعطاء والكرامة مع أعطيت وأكرمت، فيحتمل أن يكون انتصابه على إسقاط حرف الجرّ أي : يصلح أي بشيء يصطلحان عليه. ويجوز أن يكون مصدراً لهذه الأفعال على حذف الزوائد.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ظاهره أنّ خيراً أفعل التفضيل، وأن المفضل عليه هو من النشوز والإعراض، فحذف لدلالة ما قبله عليه. وقيل : من الفرقة. وقيل : من الخصومة، وتكون الألف واللام في الصلح للعهد، ويعني به صلحاً السابق كقوله تعالى :﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾. وقيل : الصلح عام. وقيل : الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف، ويندرج تحته صلح الزوجين، ويكون المعنى : خير من الفرقة والاختلاف. وقيل : خير هنا ليس أفعل تفضيل، وإنما معناه خير من الخيور، كما أن الخصومة شرّ من الشرور.
﴿وَأُحْضِرَتِ الانفُسُ الشُّحَّ﴾ هذا من باب المبالغة جعل الشح كأنه شيء معدّ في مكان. وأحضرت الأنفس وسيقت إليه، ولم يأت، وأحضر الشح الأنفس فيكون مسوقاً إلى الأنفس، بل الأنفس سيقت إليه لكون الشح مجبولاً عليه الإنسان، ومركوزاً في طبيعته، وخص المفسرون هذه اللفظة هنا. فقال ابن عباس وابن جبير : هو شح المرأة بنصيبها من زوجها ومالها. وقال الحسن وابن زيد : هو شح كل واحد منهما بحقه. وقال الماتريدي : ويحتمل أن يراد بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه يقال : هو شحيح بمودّتك، أي حريص على بقائها، ولا يقال في هذا بخيل، فكان الشح والحرص واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع الشح للمنع والحرص للمطلب، فأطلق على الحرص الشح لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأنّ البخل يحمل على الحرص، والحرص يحمل على البخل انتهى.
وقال الزمخشري : في قوله : والصلح خير، وهذه الجملة اعتراض وكذلك قوله : وأحضرت الأنفس الشح. ومعنى إحضار الأنفس الشح : إن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً ولا تنفك عنه، يعني : أنها مطبوعة عليه. والغرض أنّ المرأة لا تكاد تسمح بأن يقسم لها، أو يمسكها إذا رغب عنها وأحب غيرها انتهى. قوله. والصلح خبر جملة اعتراضية، وكذلك وأحضرت الأنفس الشح هو باعتبار أنَّ قوله :﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ معطوف على قوله :﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا﴾ وقوله : ومعنى إحضار الأنفس الشح إن الشح جعل حاضراً لا يغيب عنها أبداً، جعله من باب القلب وليس بجيد، بل التركيب القرآني يقتضي أنّ الأنفس جعلت حاضرة للشح لا تغيب عنه، لأنّ الأنفس هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي التي كانت فاعلة قبل دخول همزة النقل، إد الأصل : حضرت الأنفس الشح. على أنه يجوز عند الجمهور في هذا الباب إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل على تفصيل في ذلك ؛ وإن كان الأجود عندهم إقامة الأول. فيحتمل أن تكون الأنفس هي المفعول الثاني، والشح هو المفعول الأول، وقام الثاني مقام الفاعل. والأولى حمل القرآن على الأفصح المتفق عليه. وقرأ العدوي : الشح بكسر الشين وهي لغة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
﴿وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض. وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلّم بهنّ "فإنهنّ عوان عند الأزواج". وقال الماتريدي : وإنْ تحسنوا في أن تعطوهنّ أكثر من حقهنّ، وتتقوا في أنْ لا تنقصوا من حقهن شيئاً. أو أن تحسنوا في إيفاء حقهنّ والتسوية بينهنّ، وتتقوا الجور والميل وتفضيل بعض على بعض. أو أن تحسنوا في اتباع ما أمركم الله به من طاعتهنّ، وتتقوا ما نهاكم عنه عن معصيته انتهى. وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد. وكان عمران بن حطان الخارجي من أدم الناس، وامرأته من أجملهنّ، فأجالت في وجهه نظرها ثم تابعت الحمد لله، فقال : ما لك ؟ قالت : حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة قال : كيف ؟ قالت : لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة الشاكرين والصابرين.
﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ قال ابن عطية : روي أنها نزلت في النبي صلى الله عليه وسلّم وميله بقلبه إلى عائشة رضي الله عنها انتهى. ونبه تعالى على
٣٦٤