انتفاء استطاعة العدل بين النساء والتسوية حتى لا يقع ميل البتة، ولا زيادة ولا نقصان فيما يجب لهن، وفي ذلك عذر للرجال فيما يقع من التفاوت في الميل القلبي، والتعهد، والنظر، والتأنيس، والمفاكهة. فإن التسوية في ذلك محال خارج عن حد الاستطاعة، وعلق انتفاء الاستطاعة في التسوية على تقدير وجود الحرص من الانسان على ذلك. وقيل : معنى أن تعدلوا في المحبة قاله : عمر، وابن عباس، والحسن. وقيل : في التسوية والقسم. وقيل : في الجماع. وعن النبي صلى الله عليه وسلّم "أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذاني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة، لأنّ عائشة رضي الله عنها كانت أحب إليه وكان عمر يقول : اللهم قلبي فلا أملكه، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل فيه.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ نهى تعالى عن الجور على المرغوب أي : إن وقع منكم التفريط في شيء من المساواة فلا تجوروا كل الجور. والضمير في فتذروها عائد على المميل عنها المفهوم من قوله : فلا تميلوا كل الميل.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
وقرأ أُبيّ : فتذروها كالمسجونة. وقرأ عبد الله : فتذروها كأنها معلقة. وتقدم تفسير المعلقة في الكلام على المفردات. وقال ابن عباس : كالمحبوسة بغير حق. وقيل : معنى كالمعلقة كالبعيدة عن زوجها. قيل : أو عن حقها، ذكره الماوردي مأخوذ من تعليق الشيء لبعده عن قراره. وتذروها يحتمل أن يكون مجزوماً عطفاً على تميلوا، ويحتمل أن يكون منصوباً بإضمار أن في جواب النهي. وكالمعلقة في موضع نصب على الحال، فتتعلق الكاف بمحذوف. وفي الحديث :"من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" والمعنى : يميل مع إحداهما كل الميل، لا مطلق الميل. وقد فاضل عمر في عطاء بين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأبت عائشة وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يعدل بيننا في القسيمة بماله ونفسه، فساوى عمر بينهن، وكان لمعاذ امرأتان فإذا كان عند إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى، فماتتا في الطاعون فدفنهما في قبر واحد.
﴿وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ قال الزمخشري : وإن تصلحوا ما مضى من قبلكم وتتداركوه بالتوبة، وتتقوا فيما يستقبل، غفر الله لكم انتهى. وفي ذلك نزغة الاعتزال. وقال ابن عطية : وإن تصلحوا ما أفسدتم بسوء العشرة، وتلزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون، فإن الله كان غفوراً لما تملكونه متجاوزاً عنه. وقال الطبري : غفوراً لما سلف منكم من الميل كل الميل قبل نزول الآية انتهى. فعلى هذا هي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم واقعوا المحظور في مدّة النبي صلى الله عليه وسلّم، وختمت تلك بالإحسان، وهذه بالإصلاح. لأنّ الأولى في مندوب إليه إذ له أن لا يحسن وإن يشح ويصالح بما يرضيه، وهذه في لازم، إذ ليس له إلا أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك.
﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِّن سَعَتِهِا﴾ الضمير في يتفرقا عائد على الزوجين المذكورين في قوله :﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنا بَعْلِهَا﴾ والمعنى : وإن شح كل منهما ولم يصطلحا وتفرّقا بطلاق، فالله يغني كلاً منها عن صاحبه بفضله ولطفه في المال والعشرة والسعة. ووجود المراد والسعة الغنى والمقدرة وهذا وعد بالغنى لكل واحد إذا تفرقا، وهو معروف بمشيئة الله تعالى. ونسبة الفعل إليهما يدل على أنّ لكل منهما مدخلاً في التفرق، وهو التفرق بالأبدان وتراخي المدة بزوال العصمة، ولا يدل على أنه تفرق بالقول، وهو طلاق لأنه مختص بالزوج، ولا نصيب للمرأة في التفرق القولي، فيسند إليها خلافاً لمن ذهب إلى أنّ التفرق هاهنا هو بالقول وهو الطلاق. وقرأ زيد بن أفلح : وإن يتفارقا بألف المفاعلة أي : وإن
٣٦٥
يفارق كل منهما صاحبه. وهذه الآية نظير قوله تعالى :﴿فَإِمْسَاكُا بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحُا بِإِحْسَـانٍ﴾ وقول العرب : إن لم يكن وفاق فطلاق. فنبه تعالى على أنّ لهما أن يتفارقا، كما أنّ لهما أن يصطلحا. ودل ذلك على الجواز قالوا : وفي قوله تعالى : يغن الله كلاً من سعته إشارة إلى الغنى بالمال. وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما فيما رووا طلقة ذوقة فقيل له في ذلك فقال : إني رأيت الله تعالى علق الغنى بأمرين فقال :﴿وَأَنكِحُوا الايَـامَى ﴾ الآية، وقال : وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧