﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ ناسب ذلك ذكر السعة، لأنه تقدّم من سعته. والواسع عام في الغنى والقدرة والعلم وسائر الكمالات. وناسب ذكر وصف الحكمة، وهو وضع الشيء موضع ما يناسب، لأن السعة ما لم تكن معها الحكمة كانت إلى فساد أقرب منها للصلاح قاله الراغب. وقال ابن عباس : يريد فيما حكم ووعظ. وقال الكلبي : فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريح بإحسان. وقال الماتريدي : أو حيث ندب إلى الفرقة عند اختلافهما، وعدم التسوية بينهما.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ لما ذكر تعالى سعة رزقه وحكمته، ذكر أنَّ له ملك ما في السموات وما في الأرض، فلا يعتاض عليه غنى أحد، ولا التوسعة عليه، لأنّ من له ذلك هو الغني المطلق.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وصينا : أمرنا أو عهدنا إليهم وإليكم، ومن قبلكم : يحتمل أن يتعلق بأوتوا وهو الأقرب، أو بوصينا. والمعنى : أن الوصية بالتقوى هي سنة الله مع الأمم الماضية فلستم مخصوصين بهذه الوصية. وإياكم عطف على الموصول، وتقدّم الموصول لأن وصيته هي السابقة على وصينا فهو تقدم بالزمان. ومثل هذا العطف أعني : عطف الضمير المنصوب المنفصل على الظاهر فصيح جاء في القرآن وفي كلام العرب، ولا يختص بالشعر، وقد وهم في ذلك بعض أصحابنا وشيوخنا فزعم أنه لا يجوز إلا في الشعر، لأنك تقدر على أن تأتي به متصلاً فتقول : آتيك وزيداً. ولا يجوز عنده : رأيت زيداً وإياك إلا في الشعر، وهذا وهم فاحش، بل من موجب انفصال الضمير كونه يكون معطوفاً فيجوز قام زيد وأنت، وخرج بكر وأنا، لا خلاف في جواز ذلك. فكذلك ضربت زيداً وإياك.
والذين أوتوا الكتاب هو عام في الكتب الإلهية، ولا ضرورة تدعو إلى تخصيص الذين أوتوا الكتاب باليهود والنصارى كما ذهب إليه بعض المفسرين، لأن وصية الله بالتقوى لم تزل مذ أوجد العالم، فليست مخصوصة باليهود والنصارى. وإن اتقوا : يحتمل أن تكون مصدرية أي : بأن اتقوا الله، وأن تكون مفسرة التقدير أي : اتقوا الله لأن وصينا فيه معنى القول.
﴿وَإِن تَكْفُرُوا ﴾ ظاهره الخطاب لمن وقع له الخطاب بقوله : وإياكم، وهم هذه الأمة، ويحتمل أن يكون شاملاً للذين أوتوا الكتاب وللمخاطبين، وغلب الخطاب على ما تقرر في لسان العرب كما تقول : قلت لزيد ذلك لا تضرب عمراً، وكما تقول : زيد وأنت تخرجان.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ أي أنتم من جملة من يملكه تعالى وهو المتصرف فيكم، إذ هو خالفكم والمنعم عليكم بأصناف النعم وأنتم مملوكون له، فلا يناسب أن تكفروا من هو مالككم وتخالفون مره، بل حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يتقى عقابه ويرجى ثوابه، ولله ما في سمائه وأرضه من يوحده ويعبده ولا يعصيه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ أي عن خلقه وعن عبادتهم لا تنفعه طاعتهم، ولا يضره كفرهم.
﴿حَمِيدًا﴾ أي مستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه وإن كفرتموه أنتم.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا﴾ الوكيل القائم بالأمور المنفذ فيها ما يراه، فمن له ملك ما في السموات والأرض فهو كاف فيما يتصرف فيه لا يعتمد على غيره. وأعاد قوله : ولله ما في السموات وما في الأرض ثلاث مرات بحسب السياق. فقال ابن عطية : الأول :
٣٦٦
تنبيه على موضع الرجاء يهدي المتفرقين. والثاني : تنبيه على استغنائه عن العباد. والثالث : مقدمة للوعيد.
وقال الزمخشري : وتكرير قوله :﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ تقرير لما هو موجب تقواه ليتقوه، فيطيعوه ولا يعصوه، لأن الخشية والتقوى أصل الخير كله. وقال الراغب : الأول : للتسلية عما فات. والثاني : أنّ وصيته لرحمته لا لحاجة، وأنهم إن كفروه لا يضروه شيئاً. والثالث : دلالته على كونه غنياً. وقال أبو عبد الله الرّازي : الأول : تقرير كونه واسع الجود. والثاني : للتنزيه عن طاعة المطيعين. والثالث : لقدرته على الإفناء والإيجاد، والغرض منه تقرير كونه قادراً على مدلولات كثيرة فيحسن أن يذكر ذلك الدليل على كل واحد من مدلولاته، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة، لأنه عنده إعادة ذكر الدليل يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، وكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجل، فظهر أنّ هذا التكرار في غاية الكمال. وقال مكي : نبهنا أولاً على ملكه وسعته. وثانياً على حاجتنا إليه وغناه، وثالثاً على حفظه لنا وعلمه بتدبيرنا.