﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِاَاخَرِينَ﴾ ظاهره أنّ الخطاب لمن تقدم له الخطاب أولاً. وقال ابن عباس : الخطاب للمشركين والمنافقين، والمعنى : ويأت بآخرين منكم. وقريب منه ما نقله الزمخشري : من أنه خطاب لمن كان يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلّم من العرب. وقال أبو سليمان الدمشقي : الخطاب للكفار وهو تهديد لهم، كأنه قال : إن يشاء يهلككم كما أهلك من قبلكم إذ كفروا برسله. وقيل : للمؤمنين ينطلق عليه اسم الناس، والمعنى : إن شاء يهلككم كما أنشأكم وأنشأ قوماً آخرين يعبدونه. وقال الطبري : الخطاب للذين شفعوا في طعمة بن أبيرق، وخاصم وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدّرع والدّقيق. وهذا التأويل بعيد، وقد يظهر العموم فيكون خطاباً للعالم الحاضر الذي يتوجه إليه الخطاب والنداء. ويأت بآخرين أي : بناس غيركم، فالمأتى به من نوع المذهب، فيكون من جنس المخاطب المنادي وهم الناس.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
وروي أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلّم بيده على ظهر سلمان وقال :﴿قَوْمٍ﴾، وأجاز الزمخشري وابن عطية وغيرهما أن يكون المراد بآخرين من نوع المخاطبين. قال الزمخشري : ويأت بآخرين مكانكم أو خلقاً آخرين غير الإنس. قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم. كما أنه قد روي أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم انتهى. وما جوّزه لا يجوز، لأنّ مدلول آخر في اللغة هو مدلول غير خاص بجنس ما تقدم، فلو قلت : جاء زيد وآخر معه، أو مررت بامرأة وأخرى معها، أو اشتريت فرساً وآخر، وسابقت بين حمار وآخر، لم يكن آخر ولا أخرى مؤنثه، ولا تثنيته ولا جمعه إلا من جنس ما يكون قبله. ولو قلت : اشتريت ثوباً وآخر، ويعني به : غير ثوب
٣٦٧
لم يجز، فعلى هذا تجويزهم أن يكون قوله : بآخرين من غير جنس ما تقدم وهم الناس ليس بصحيح، وهذا هو الفرق بين غير وبين آخر، لأنّ غيراً تقع على المغاير في جنس أو في صفة، فتقول : اشتريت ثوباً وغيره، فيحتمل أن يكون ثوباً، ويحتمل أن يكون غير ثوب وقلّ من يعرف هذا الفرق.
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ﴾ أي على إذهابكم والإتيان بآخرين. وأتى بصيغة المبالغة في القدرة، لأنه تعالى لا يمتنع عليه شيء أراده، وهذا غضب عليهم وتخويف، وبيان لاقتداره.
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ﴾ قال ابن عطية، أي من كان لا رغبة له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أنّ ثمّ سواه فليس كما ظن، بل عند الله ثواب الدّارين. فمن قصد الآخرة أعطاه من ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط أعطاه من الدنيا ما قدر له، وكان له في الآخرة العذاب. وقال الماتريدي : يحتمل أن يكون المعنى من عبد الأصنام طلباً للعز لا يحصل له ذلك، ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة، أو للتقريب والشفاعة أي : ليس له ذلك، ولكن اعبدوا الله فعنده ثواب الدنيا والآخرة، لا عند من تطلبون. ويحتمل أن تكون في أهل النفاق الذين يراؤون بأعمالهم الصالحة في الدنيا لثواب الدنيا لا غير.
ومن يحتمل أن تكون موصولة والظاهر أنها شرط وجوابه الجملة المقرونة بفاء الجواب : ولا بد في الجملة الواقعة جواباً لاسم الشرط غير الظرف من ضمير عائد على اسم الشرط حتى يتعلق الجزاء بالشرط، والتقدير : ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده، هكذا قدّره الزمخشري وغيره. والذي يظهر أنّ جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير : من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. وقال الراغب : فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكاً للثوابين، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه، فمن طلب خسيساً مع أنه يمكنه أن يطلب نفيساً فهو دنيء الهمة. قيل : والآية وعيد للمنافقين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة. وقيل : هي حض على الجهاد.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعَا بَصِيرًا﴾ أي سميعاً لأقوالهم، بصيراً بأعمالهم ونياتهم.
﴿بَصِيرًا * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَواَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالاقْرَبِينَ﴾ قال الطبري : هي سبب نازلة بن أبيرق وقيام من قام في أمره بغير القسط. وقال السدّي : نزلت في اختصام غني وفقير عند النبي صلى الله عليه وسلّم.