﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَه وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَـالِبُونَ﴾ يحتمل أن يكون جواب مَن محذوفاً لدلالة ما بعده عليه، أي : يكن من حزب الله ويغلب. ويحتمل أن يكون الجواب : فإن حزب الله، ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر أي : فإنهم م الغالبون. وفائدة وضع الظاهر هنا موضع المضمر الإضافة إلى الله تعالى فيشرفون بذلك، وصاروا بذلك أعلاماً. وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وقال الزمخشري : ويحتمل أنْ يريد حزب الله والرسول والمؤمنين، ويكون المعنى : ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب انتهى. وهو قلق في التركيب. قال ابن عطية : أي فإنه غالب كل من ناوأه، وجاءت العبارة عامة أنّ حزب الله هم الغالبون اختصاراً، لأن هذا المتولي هو من حزب الله، وحزب الله غالب، فهذا الذي تولى الله ورسوله غالب. ومن يراد بها الجنس لا مفرد، وهم هنا يحتمل أن يكون فصلاً، ويحتمل أن يكون مبتدأ.
﴿يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ﴾
٥١٤
قال ابن عباس : كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث قد أظهر الإسلام ثم نافقاً، وكان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت. ولما نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ الكفار والنصارى أولياء، نهى عن اتخاذ الكفار أولياء يهودا كانوا أو نصارى، أو غيرهما. وكرر ذكر اليهود والنصارى بقوله : من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وإن كانوا مندرجين في عموم الكفار على سبيل النص على بعض أفراد العام لسبقهم في الذكر في الآيات قبل، ولأنه أوغل في الاستهزاء، وأبعد انقياداً للإسلام، إذ يزعمون أنهم على شريعة إلهية. ولذلك كان المؤمنون من المشركين في غاية الكثرة، والمؤمنون من اليهود والنصارى في غاية القلة. وقيل : أريد بالكفار المشركون خاصة، ويدل عليه قراءة عبد الله : ومن الذين أشركوا. قال ابن عطية : وفرقت الآية بين الكفار وبين الذين أوتوا الكتاب، من حيث الغالب في اسم الكفر أن يقع على المشركين بالله إشراك عبادة الأوثان، لأنّهم أبعد شأواً في الكفر. وقد قال :﴿جَـاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَـافِقِينَ﴾ ففرق بينهم إرادة البيان. والجميع كفار، وكانوا عبدة الأوثان، هم كفار من كل جهة. وهذه الفرق تلحق بهم في حد الكفر، وتخالفهم في رتب. فأهل الكتاب يؤمنون بالله وببعض الأنبياء، والمنافقون يؤمنون بألسنتهم انتهى. وقال الزمخشري : وفصل المستهزئين بأهل الكتاب على المشركين خاصة انتهى. ومعنى الآية : أنّ من اتخذ دينكم هزواً ولعباً لا يناسب أنْ يتخذ ولياً، بل يعادي ويبغض ويجانب. واستهزاؤهم قيل : بإظهار الإسلام، وإخفاء الكفر. وقيل : بقولهم للمسلمين : احفظوا دينكم ودوموا عليه فإنه الحق، وقول بعضهم لبعض : لعبنا بعقولهم وصحكنا عليهم. وقال ابن عباس : ضحكوا من المسلمين وقت سجودهم، وتقدم القول في القراءة في هزؤا. وقرأ النحويان : والكفار خفضاً. وقرأ أبي : ومن الكفار بزيادة من. وقرأ الباقون : نصباً وهي رواية الحسين الجعفي عن أبي عمرو، وإعراب الجر والنصب واضح.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ لما نهى المؤمنون عن اتخاذهم أولياء، أمرهم بتقوى الله، فإنها هي الحاملة على امتثال الأوامر واجتناب النواهي. أي : اتقوا الله في موالاة الكفار، ثم نبه على الوصف الحامل على التقوى وهو الإيمان أي : من كان مؤمناً حقاً يأبى موالاة أعداء الدّين.
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَواةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ قال الكلبي : كانوا إذا نودي بالصلاة قام المسلمون إليها فتقول اليهود : قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، على طريق الاستهزاء والضحك فنزلت. وقال السدي : كان نصراني بالمدينة يقول إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمداً رسول الله، أحرق الكاذب، فطارت شرارة في بيته فاحترق هو وأهله، فنزلت. وقيل : حسد اليهود الرسول حين سمعوا الآذان وقالوا : ابتدعت شيئاً لم يكن للأنبياء، فمن أين لك الصياح كصياح العير ؟ فما أقبحه من صوت. فأنزل الله هذه الآية. وأنزل :﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية انتهى. والمعنى : إذا نادى بعضكم إلى الصلاة، لأن الجميع لا ينادون. ولما قدم أنهم الذين اتخذوا الدين هزواً ولعباً اندرج في ذلك جميع ما انطوى عليه الدّين، فجرد من ذلك أعظم أركان الدين
٥١٥


الصفحة التالية
Icon