ونص عليه بخصوصه وهي الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، فنبه على أنّ من استهزأ بالصلاة ينبغي أن لا يتخذ ولياً ويطرد، فهذه الآية جاءت كالتوكيد للآية قبلها. وقال بعض العلماء : في هذه الآية دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده انتهى. ولا دليل في ذلك على مشروعيته لأنه قال وإذا ناديتم، ولم يقل نادوا على سبيل الأمر، وإنما هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها بالشرط. والظاهر أن الضمير في اتخذوها عائد على الصلاة، ويحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من ناديتم أي : اتخذوا المناداة والهزء والسخرية واللعب الأخذ في غير طريق.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي ذلك الفعل منهم، ونفي العقل عنهم لما لم ينتفعوا به في الدين، واتخذوا دين الله هزواً ولعباً، فعل من لا عقل له.
﴿قُلْ يَـا أَهْلَ الْكِتَـابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـاسِقُونَ﴾ قال ابن عباس : أتى نفر من يهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال : أؤمن بالله :﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله :﴿وَنَحْنُ لَه مُسْلِمُونَ﴾ فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى، ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فنزلت. والمعنى : هل تعيبون علينا، أو تنكرون، وتعدون ذنباً، أو نقيصة ما لا ينكر ولا يعاب، وهو الإيمان بالكتب المنزلة كلها ؟ وهذه محاورة لطيفة وجيزة تنبه الناقم على أنه ما نقم عليه إلا ما لا ينقم ولا يعد عيباً ونظيره قول الشاعر :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
والخطاب قيل : للرسول، وهو بمعنى ما النافية. وقرأ الجمهور : تنقمون بكسر القاف، والماضي نقم بفتحها، وهي التي ذكرها ثعلب في الفصيح. ونقم بالكسر، ينقم بالفتح لغة حكاها الكسائي وغيره. وقرأ بها أبو حيوة والنخعي وابن أبي عبلة وأبو البر هشيم، وفسر تنقمون بتسخطون وتتكرهون وتنكرون وتعيبون وكلها متقاربة. وإلا أن آمنا استثناء فرغ له الفاعل. وقرأ الجمهور : أنزل مبنياً للفاعل، وذلك في اللفظين، وقرأهما أبو نهيك : مبنيين للفاعل، وقرأ نعيم بن ميسرة : وإن أكثركم فاسقون بكسر الهمزة، وهو واضح المعنى، أمره تعالى أن يقول لهم هاتين الجملتين، وتضمنت الأخبار بفسق أكثرهم وتمردهم. وقرأ الجمهور : بفتح همزة أن وخرج ذلك على أنها في موضع رفع، وفي موضع نصب، وفي موضع جر. فالرّفع على الابتداء. وقدر الزمخشري الخبر مؤخراً محذوفاً أي : وفسق
٥١٦
أكثركم ثابت معلوم عندكم، لأنكم علمتم أنا على الحق، وأنكم على الباطل، إلا أنّ حب الرّياسة والرشا يمنعكم من الاعتراف. ولا ينبغي أن يقدم الخبر إلا مقدماً أي : ومعلوم فسق أكثركم، لأن الأصح أن لا يبدأ بها متقدّمة إلا بعد أما فقط. والنصب من وجوه : أحدها : أن يكون معطوفاً على أن آمنا أي : ما تنقمون منا إلا إيماننا وفسق أكثركم، فيدخل الفسق فيما نقموه، وهذا قول أكثر المتأوّلين. ولا يتجه معناه لأنهم لا يعتقدون فسق أكثرهم، فكيف ينقمونه، لكنه يحمل على أن المعنى ما تنقمون منا إلا هذا المجموع من إنا مؤمنون وأكثركم فاسقون، وإن كانوا لا يسلمون إن أكثرهم فاسقون، كما تقول : ما تنقم مني إلا أني صدّقت وأنت كذبت، وما كرهت مني إلا أني محبب إلى الناس وأنت مبغض، وإن كان لا يعترف أنه كاذب ولا أنه مبغض، وكأنه قيل : ما تنقمون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في الإسلام وأنتم خارجون. والوجه الثاني : أن يكون معطوفاً على إن آمنا، إلا أنه على حذف مضاف تقديره : واعتقادنا فيكم أن أكثركم فاسقون، وهذا معنى واضح. ويكون ذلك داخلاً في ما تنقمون حقيقة. الثالث : أن تكون الواو واو مع، فتكون في موضع نصب مفعولاً معه التقدير : وفسق أكثرهم أي : تنقمون ذلك مع فسق أكثركم والمعنى : لا يحسن أن تنقموا مع وجود فسق أكثركم كما تقول : تسيء إلي مع أني أحسنت إليك. الرابع : أن تكون في موضع نصب مفعول بفعل مقدّر يدل عليه، هل تنقمون تقديره : ولا تنقمون أنّ أكثركم فاسقون. والجرّ على أنه معطوف على قوله : بما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وبأن أكثركم فاسقون، والجر على أنه معطوف على علة محذوفة التقدير : ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وفسقكم. ويدل عليه تفسير الحسن بفسقكم نقمتم ذلك علينا. فهذه سبعة وجوه في موضع إو وصلتها، ويظهر وجه ثامن ولعله يكون الأرجح، وذلك أنّ نقم أصلها أن تتعدّى بعلى، تقول : نقمت على الرجل أنقم، ثم تبنى منها افتعل فتعدّى إذ ذاك بمن، وتضمن معنى الإصابة بالمكروه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥