قال تعالى :﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْه وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ ومناسبة التضمين فيها أنّ من عاب على شخص فعله فهو كاره له لا محالة ومصيبه عليه بالمكروه، وإن قدر، فجاءت هنا فعل بمعنى افتعل لقولهم : وقد رأوه، ولذلك عدّيت بمن دون التي أصلها أن يعدي بها، فصار المعنى : وما تنالون منا أو وما تصيبوننا بما نكره إلا أن آمنا أي : لأنْ آمنا، فيكون أن آمنا مفعولاً من أجله، ويكون وإن أكثركم فاسقون معطوفاً على هذه العلة، وهذا ـ والله أعلم ـ سبب تعديته بمن دون على، وخص أكثركم بالفسق لأن فيهم من هدى إلى الإسلام، أو لأنّ فساقهم وهم المبالغون في الخروج عن الطاعة هم الذين يقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون تقرّباً إلى الملوك، وطلباً للجاه والرياسة، فهم فساق في دينهم لا عدول، وقد يكون الكافر عدلاً في دينه، ومعلوم أنّ كلهم لم يكونوا عدولاً في دينهم، فلذلك حكم على أكثرهم بالفسق.
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَالِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ﴾ الخطاب بالأمر للرسول صلى الله عليه وسلّم
٥١٧
وتضمن الخطاب لأهل الكتاب الذين أمر أن يناديهم أو يخاطبهم بقوله تعالى : يا أهل الكتاب هل تنقمون منا، هذا هو الظاهر. قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون ضمير الخطاب للمؤمنين أي : قل يا محمد للمؤمنين هل أنبئكم بشر من حال هؤلاء الفاسقين في وقت الرجوع إلى الله، أولئك أسلافهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم، وتكون الإشارة بذلك إلى حالهم انتهى. فعلى هذا الإضمار يكون قوله : بشرّ أفعل تفضيل باقية على أصل وضعها من كونها تدل على الاشتراك في الوصف، وزيادة الفضل على المفضل عليه في الوصف، فيكون ضلال أولئك الأسلاف وشرهم أكثر من ضلال هؤلاء الفاسقين، وإن كان الضمير خطاباً لأهل الكتاب، فيكون شرّ على بابها من التفضيل على معتقد أهل الكتاب إذ قالوا : ما نعلم ديناً شرًّا من دينكم. وفي الحقيقة لا ضلال عند المؤمنين، ولا شركة لهم في ذلك مع أهل الكتاب، وذلك كما ذكرنا إشارة إلى دين المؤمنين، أو حال أهل الكتاب، فيحتاج إلى حذف مضاف : إما قبله، وإما بعده. فيقدر قبله : بشرّ من أصحاب هذه الحال، ويقدر بعده : حال من لعنه الله ولكون لعنه الله إن اسم الإشارة يكون على كل حال من تأنيث وتثنية وجمع كما يكون للواحد المذكر، فيحتمل أن يكون ذلكم من هذه اللغة، فيصير إشارة إلى الأشخاص كأنه قال : بشر من أولئكم، فلا يحتاج إلى تقدير مضاف، لا قبل اسم الإشارة، ولا بعده، إذ يصير من لعنه الله تفسير أشخاص بأشخاص. ويحتمل أن يكون ذلكم أيضاً إشارة إلى متشخص، وأفرد على معنى الجنس كأنه قال : قل هل أنبئكم بشر من جنس الكتابي، أو من جنس المؤمن، على اختلاف التقديرين اللذين سبقا، ويكون أيضاً من لعنه الله تفسير شخص بشخص.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
وقرأ النخعي وابن وثاب : أنبئكم من أنبأ، وابن بريدة، والأعرج، ونبيج، وابن عمران : مثوبة كمعورة. والجمهور : من نبأ ومثوبة كمعونة. وتقدّم توجيه القراءتين في ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وانتصب مثوبة هنا على التمييز، وجاء التركيب الأكثر الأفصح من تقديم المفضل عليه على لتمييز كقوله :﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ وتقديم التمييز على المفضل أيضاً فصيح كقوله :﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِا وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ وَالامِّيِّانَ ءَأَسْلَمْتُم فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَـاغُا وَاللَّهُ بَصِيرُا بِالْعِبَادِ * إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّانَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ومن في موضع رفع كأنه قيل : من هو ؟ فقيل : هو من لعنه الله. أو في موضع جر على البدل من قوله : بشّر. وجوّزوا أن يكون في موضع نصب على موضع بشر أي : أنبئكم من لعنه الله. ويحتمل من لعنه الله أن يراد به أسلاف أهل الكتاب كما تقدّم، أو الأسلاف والأخلاف، فيندرج هؤلاء الحاضرون فيهم. والذي تقتضيه الفصاحة أن يكون من وضع الظاهر موضع الضمير تنبيهاً على الوصف الذي حصل به كونه شراً مثوبة، وهي اللعنة والغضب. وجعل القردة والخنازير منهم، وعبد الطاغوت، وكأنه قيل : قل هل أنبئكم بشرّ من ذلك مثوبة عند الله أنتم أي : هو أنتم. ويدل على هذا المعنى قوله بعد :﴿الَّذِينَ قَالُوا ءَامَنَّا﴾ فيكون الضمير واحداً. وقرأ أبي وعبد الله : من غضب الله عليهم، وجعلهم قردة وخنازير، وجعل هنا بمعنى صير. وقال الفارسي : بمعنى خلق، لأن بعده وعبد الطاغوت، وهو معتزلي لا يرى أنّ الله يصير أحداً عابد طاغوت. وتقدّم الكلام في مسخهم قردة في البقرة.


الصفحة التالية
Icon