ويقال : بسط اليأس كفه في صدري، واليأس معنى لا عين وقد جعل له كفاً. قال الزمخشري : ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به ثم قال :(فإن قلت) : لم ثينت اليد في بل يداه مبسوطتان وهي مفردة في يد الله مغلولة ؟ (قلت) : ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه، وذلك أن غاية ما يبذله السخي بما له من نفسه، وأن يعطيه بيديه جميعاً، فبنى المجاز على ذلك انتهى. وكلامه في غاية الحسن. وقيل عن ابن عباس : يداه نعمتاه، فقيل : هما مجازان عن نعمة الدين ونعمة الدّنيا، أو نعمة سلامة الأعضاء والحواس ونعمة الرّزق والكفاية، أو الظاهرة والباطنة، أو نعمة المطر ونعمة النبات، وما ورد مما يوهم التجسيم كهذا. وقوله :﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ و﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ و﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى ﴾ و﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ و﴿هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُا﴾ ونحوها. فجمهور الأمة أنها تفسر على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين الكلام.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
وقال قوم منهم القاضي أبو بكر بن الطيب : هذه كلها صفات زائدة على الذات، ثابتة لله تعالى من غير تشبيه ولا تجديد. وقال قوم منهم الشعبي، وابن المسيب، والثوري : نؤمن بها ونقر كما نصت، ولا نعين تفسيرها، ولا يسبق النظر فيها. وهذان القولان حديث من لم يمعن النظر في لسان العرب، وهذه المسألة حججها في علم أصول الدين. وقرأ عبد الله : بسيطتان يقال : يد بسيطة مطلقة بالمعروف. في مصحف عبد الله : بسطان، يقال : يده بسط بالمعروف وهو على فعل كما تقول : ناقة صرح، ومشية سجح، ينفق كيف يشاء هذا تأكيد للوصف بالسخاء، وأنه لا ينفق إلا على ما تقتضيه مشيئته، ولا موضع لقوله تنفق من الإعراب إذ هي جملة مستأنفة، وقال الحوفي : يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في مبسوطتان انتهى. ويحتاج في هذين الإعرابين إلى أن يكون الضمير العائد على المبتدأ، أو على ذي الحال محذوفاً التقدير : ينفق بهما. قال الحوفي : كيف سؤال عن حال، وهي نصب بيشاء انتهى. ولا يعقل هنا كونها سؤالاً عن حال، بل هي في معنى الشرط كما تقول : كيف تكون أكون، ومفعول يشاء محذوف، وجواب كيف محذوف يدل عليه ينفق المتقدم، كما يدل في قولك : أقوم إن قام زيد على جواب الشرط والتقدير : ينفق كيف يشاء أن ينفق ينفق، كما تقول : كيف تشاء أن أضربك
٥٢٤
أضربك، ولا يجوز أن يعمل كيف ينفق لأن اسم بالشرط لا يعمل فيه ما قبله إلا إن كان جاراً، فقد يعمل في بعض أسماء الشرط. ونظير ذلك قوله :﴿فَيَبْسُطُه فِى السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـانًا وَكُفْرًا ﴾ علق بكثير، لأن منهم مَن آمن ومن لا يزداد إلا طغياناً، وهذا إعلام للرّسول بفرط عتوهم إذ كانوا ينبغي لهم أن يبادروا بالإيمان بسبب ما أخبرهم به الله تعالى على لسان رسوله من الأسرار التي يكتمونها ولا يعرفها غيرهم، لكنْ رتبوا على ذلك غير مقتضاه، وزادهم ذلك طغياناً وكفروا، وذلك لفرط عنادهم وحسدهم. وقال الزجاج : كلما نزل عليك شيء كفروا به. وقال مقاتل : وليزيدن بني النضير ما أنزل إليك من ربك من أمر الرجم والدّماء. وقيل : المراد بالكثير علماء اليهود. وقيل : إقامتهم على الكفر زيادة منهم في الكفر.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَـامَةِ﴾ قيل : الضمير في بينهم عائد على اليهود والنصارى، لأنه جرى ذكرهم في قوله :﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَـارَى أَوْلِيَآءَا﴾ ولشمول قوله :﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَـابِ﴾ للفريقين وهذا قول : الحسن، ومجاهد. وقيل : هو عائد على اليهود، إذ هم جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، وكذلك فرق النصارى كالملكانية واليعقوبية والنسطورية. والذي يظهر أن المعنى لا يزالون متباغضين متعادين، فلا يمكن اجتماع كلمتهم على قتالك، ولا يقدرون على ضررك، ولا يصلون إليك ولا إلى أتباعك، لأن الطائفتين لا توادّ بينهم فيجتمعان على حربك. وفي ذلك إخبار بالمغيب، وهو أنه لم يجتمع لحرب المسلمين جيشا يهود ونصارى مذ كان الإسلام إلى هذا الوقت. وأشار إلى هذا المعنى الزمخشري بقوله : فكلهم أبداً مختلف وقلوبهم شتى، لا يقع اتفاق بينهم، ولا تعاضد انتهى. والعداوة أخص من البغضاء، لأن كل عدوّ مبغض، وقد يبغض من ليس بعدوّ. وقال ابن عطية : وكأنّ العداوة شيء يشهد يكون عنه عمل وحرب، والبغضاء لا تتجاوز النفوس انتهى كلامه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ قال قوم : هو على
٥٢٥


الصفحة التالية
Icon