﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَآ أُوتُوا أَخَذْنَـاهُم بَغْتَةً﴾ معنى هذه الجمل معنى قوله ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لانفُسِهِم إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾ وفي الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال :"إذا رأيتم الله تعالى يعطي العباد ما يشاؤون على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية، والأبواب استعارة عن الأسباب التي هيأها الله لهم المقتضية لبسط الرزق عليهم والإبهام في هذا العموم لتهويل ما فتح عليهم وتعظيمه وغياً الفتح بفرحهم بما أوتوا وترتب على فرحهم أخذهم بغتة أي إهلاكهم فجأة وهو أشد الإهلاك إذ لم يتقدم شعور به فتتوطن النفس على لقائه، ابتلاهم أولاً بالبأساء والضراء فلم يتعظوا ثم نقلهم إلى ما أوجب سرورهم من إسباغ النعم عليهم فلم يجد ذلك
١٣٠
عندهم ولا قصدوا الشكر ولا أصغوا إلى إنابة بل لم يحصلوا إلا على فرح بما أسبغ عليهم. قال محمد بن النضر الحارثي : أمهل هؤلاء القوم عشرين سنة.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦
﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ أي باهتون بائسون لا يخبرون جواباً. وقرأ ابن عامر فتحنا بتشديد التاء والتشديد لتكثير الفعل وإذا هي الفجائية وهي حرف على مذهب الكوفيين وظرف مكان، ونسب إلى سيبويه وظرف زمان وهو مذهب الرياشي والعامل فيها إذا قلنا بظرفيتها هو خبر المبتدإ أي، ففي ذلك المكان ﴿هُم مُّبْلِسُونَ﴾ أي مكان إقامتهم وذلك الزمان ﴿هُم مُّبْلِسُونَ﴾ وأصل الإبلاس الإطراق لحلول نقمة أو زوال نعمة. قال الحسن : مكتئبون. وقال السدي : هالكون. وقال ابن كيسان : وقطرب : خاشعون. وقال ابن عباس : متحيرون. وقال الزجاج : متحسرون. وقال ابن جرير : الساكت عند انقطاع الحجة.
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ عبارة عن استئصالهم بالهلاك والمعنى : فقطع دابرهم ونبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف الذي هو الظلم، وهو هنا الكفر والدابر التابع للشيء من خلفه يقال : دبر الوالد الولد يدبره، وفلان دبر القوم دبوراً ودبراً إذا كان آخرهم. وقال أمية بن أبي الصلت :
فاستؤصلوا بعذاب خص دابرهمفما استطاعوا له صرفاً ولا انتصروا
قال أبو عبيدة :﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ آخرهم الذي يدبرهم. وقال الأصمعي : الدابر الأصل يقال : قطع الله دابره أي أذهب أصله، وقرأ عكرمة ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾ بفتح القاف والطاء والراء أي فقطع الله وهو التفات إذ فيه الخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ قال الزمخشري : إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم وأجزل القسم ؛ انتهى. والذي يظهر أنه تعالى لما أرسل إلى هؤلاء الأمم كذبوهم وآذوهم فابتلاهم الله تارة بالبلاء، وتارة بالرخاء فلم يؤمنوا فأهلكهم واستراح الرسل من شرهم وتكذيبهم وصار ذلك نعمة في حق الرسل إذ أنجز الله وعده على لسانهم بهلاك المكذبين فناسب هذا الفعل كله الختم بالحمد له.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ﴾ لما ذكر أولاً تهديدهم بإتيان العذاب أو الساعة كان ذلك أعظم من هذا التهديد، فأكد خطاب الضمير بحرف الخطاب فقيل أرأيتكم ولما كان هذا التهديد أخف من ذلك لم يؤكد به، بل اكتفى بخطاب الضمير فقيل ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ وفي تلك وهذه الاستدلال على توحيد الله تعالى وأنه المتصرف في العالم الكاشف للعذاب والراد لما شاء بعد الذهاب، وأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئاً والظاهر من قوله ﴿سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـارَكُمْ﴾ أنه ذهاب الحاسة
١٣١