بدل من الرحمة والثانية خبر مبتدأ محذوف تقديره فأمره أنه أي أن الله غفور رحيم له، ووهم النحاس فزعم أن قوله ﴿فَإِنَّهُا﴾ عطف على أنه وتكرير لها لطول الكلام وهذا كما ذكرناه وهم، لأن ﴿مِنْ﴾ مبتدأ سواء كان موصولاً أو شرطاً فإن كان موصولاً بقي بلا خبر وإن كان شرطاً بقي بلا جواب. وقيل : إنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره عليه أنه من عمل. وقيل : فإنه بدل من أنه وليس بشيء لدخول الفاء فيه ولخلو ﴿مِنْ﴾ من خبر أو جواب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والإخوان بكسر الهمزة فيهما الأولى على جهة التفسير للرحمة والثانية في موضع الخبر أو الجواب. وقرأ نافع بفتح الأولى على الوجهين السابقين وكسر الثانية على وجهها أيضاً، وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية حكاها الزهراوي عن الأعرج. وحكى سيبويه عنه مثل قراءة نافع. وقال الداني : قراءة الأعرج ضد قراءة نافع و﴿بِجَهَـالَةٍ﴾ في موضع نصب على الحال أي وهو جاهل وما أحسن مساق هذا المقول أمره أولاً أن يقول للمؤمنين سلام عليكم فبدأ أولاً بالسلامة والأمن لمن آمن ثم خاطبهم ثانياً بوجوب الرحمة وأسند الكتابة إلى ربهم أي كتب الناظر لكم في مصالحكم والذي يربيكم ويملككم الرحمة فهذا تبشير بعموم الرحمة، ثم أبدل منها شيئاً خاصاً وهو غفرانه ورحمته لمن تاب وأصلح، ولو ذهب ذاهب إلى أن الرحمة مفعول من أجله وإن أنه في موضع نصب لكتب أي لأجل رحمته إياكم لم يبعد ولكن الظاهر أن الرحمة مفعول ﴿كِتَـابَ﴾ واستدل المعتزلة بقوله :﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أنه لا يخلق الكفر في الكافر لأن الرحمة تنافي ذلك وتنافي تعذيبه أبد الآباد.
اسم الكتاب : تفسير البحر المحيط
﴿وَكَذَالِكَ نُفَصِّلُ الايَـاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكاف للتشبيه وذلك إشارة إلى التفصيل الواقع في هذه السورة أي ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن ونلخصها في صفة أحوال المجرمين من هو مطبوع على قلبه لا يرجى إسلامه ومن ترى فيه أمارة القبول وهو الذي يخاف إذا سمع ذكر القيامة ومن دخل في الإسلام إلا أنه لا يحفظ حدوده. وقيل : المعنى كما فصلنا في هذه السورة دليل على صحة التوحيد والنبوة والقضاء والقدر نفصل لك دليلنا وحججنا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل. وقيل : إشارة إلى التفصيل للأمم السابقة ومثل ذلك التفصيل لمن كان قبلكم نفصل لكم. وقال التبريزي : معناه كما بينا للشاكرين والكافرين. وقال ابن قتيبة : تفصيلها إتيانها متفرقة شيئاً بعد شيء. وقال تاج الفراء : الفصل بون ما بين الشيئين والتفصيل التبيين بين المعاني الملتبسة. وقال ابن عطية : والإشارة بقوله :﴿وَكَذالِكَ﴾ إلى ما تقدم من النهي عن طرد المؤمنين وبيان فساد منزع المعارضين لذلك، وتفصيل الآيات تبيينها وشرحها وإظهارها ؛ انتهى. واستبان يكون لازماً ومتعدّياً وتميم وأهل نجد يذكرون السبيل وأهل الحجاز يؤنثونها. وقرأ العربيان وابن كثير وحفص ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء سبيل بالرفع. وقرأ الأخوان وأبو بكر وليستبين بالياء سبيل بالرفع فاستبان هنا لازمة أي ولتظهر سبيل المحرمين. وقرأ نافع ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بتاء الخطاب سبيل بالنصب فاستبان هنا متعدية. فقيل : هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلّم. وقيل له ظاهراً والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلّم كان استبانها وخص ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ لأنه يلزم من استبانتها استبانة سبيل المؤمنين أو يكون على حذف معطوف لدلالة المعنى عليه التقدير سبيل المجرمين والمؤمنين. وقيل : خص ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ لأنهم الذين أثار وأما تقدم من الأقوال وهم أهم في هذا الموضع لأنها آيات رد عليهم، وظاهر المجرمين العموم وتأوله ابن زيد على أنه عنى بالمجرمين الآمرون بطرد الضعفة واللام في متعلقة بفعل متأخر أي ﴿الايَـاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فصلناها لكم أو قبلها علة محذوفة وهو قول
١٤١
الكوفيين التقدير لنبين لكم ولتستبين. وقال الزمخشري : لنستوضح سبيلهم فتعامل كلاًّ منهم بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل.
اسم الكتاب : تفسير البحر المحيط
﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمره تعالى أن يجاهرهم بالتبري من عبادتهم غير الله، ولما ذكر تعالى تفصيل الآيات لتستبين سبيل المبطل من المحق نهاه عن سلوك سبيلهم ومعنى نهيت زجرت. قال الزمخشري : بما ركب في من أدله العقل وبما أوتيت من أدلة السمع والذين يدعون الأصنام، عبر عنها بالذين على زعم الكفار حين أنزلوها منزلة من يعقل وتدعون. قال ابن عباس : معناه تعبدون. وقيل : تسمونهم آلهة من دعوت ولدي زيداً سميته. وقيل : يدعون في أموركم وحوائجكم وفي قوله :﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا منه على غير بصيرة، ولفظة ﴿نُهِيتُ﴾ أبلغ من النفي بلا ﴿أَعْبُدُ﴾ إذ فيه ورود تكليف.


الصفحة التالية
Icon