﴿قُل لا أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ﴾ أي ما تميل إليه أنفسكم من عبادة غير الله ولما كانت أصنامهم مختلفة كان لكل عابد صنم هوى يخصه فلذلك جمع، وأهواءكم عام وغالب ما يستعمل في غير الخير ويعم عبادة الأصنام وما أمروا به من طرد المؤمنين الضعفاء وغير ذلك مما ليس بحق وهي أعم من الجملة السابقة وأنص على مخالفتهم، وفي قوله ﴿أَهْوَآءَكُمْ﴾ تنبيه على السبب الذي حصل منه الضلال وتنبيه لمن أراد اتباع الحق ومجانبة الباطل كما قال ابن دريد :
وآفة العقل الهوى فمن علاعلى هواه عقله فقد نجا
﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ المعنى إن اتبعت أهواءكم ضللت وما اهتديت والجملة من قوله :﴿وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ مؤكدة لقوله ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ وجاءت تلك فعلية لتدل على التجدد وهذه اسمية لتدل على الثبوت فحصل نفي تجدد الضلال وثبوته وجاءت رأس آية. وقرأ السلمي وابن وثاب وطلحة ﴿ضَلَلْتُ﴾ بكسر فتحة اللام وهي لغة، وفي التحرير قرأ يحيى وابن أبي ليلى هنا في السجدة في أئذا ضللنا بالصاد غير معجمة ويقال صل اللحم أنتن ويروى ضللنا أي دفنا في الضلة وهي الأرض الصلبة رواه أبو العباس عن مجاهد بن الفرات في كتاب الشواذله. ﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى﴾ أي على شريعة واضحة وملة صحيحة. وقيل : البينة هي المعجزة التي تبين صدقي وهي القرآن، قالوا : ويجوز أن تكون التاء في ﴿بَيِّنَةً﴾ للمبالغة والمعنى على أمر بين لما نفي أن يكون متبعاً للهوى نبه على ما يجب اتباعه وهو الأمر الواضح من الله تعالى.
اسم الكتاب : تفسير البحر المحيط
﴿وَكَذَّبْتُم بِهِا﴾ إخبار منه عنهم أنهم كذبوا به والظاهر عود الضمير على الله أي وكذبتم بالله. وقيل : عائد على ﴿بَيِّنَةً﴾ لأن معناه على أمر بين. وقيل : على البيان الدال عليه بينة. وقيل : على القرآن.
﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِا﴾ الذي استعجلوا به قيل الآيات المقترحة قاله الزجاج. وقيل : العذاب ورجح بأن الاستعجال لم يأت في القرآن إلا للعذاب لأنهم لم يستعجلوا بالآيات المقترحة وبأن لفظ ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِا﴾ يتضمن أنكم واقعتم ما أنتم تستحقون به العذاب إلا أن ذلك ليس لي. قال الزمخشري : يعني العذاب الذي استعجلوه في قولهم : فأمطر علينا حجارة من السماء.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ أي الحكم لله على الإطلاق وهو الفصل بين الخصمين
١٤٢
المختلفين بإيجاب الثواب والعقاب. وقيل : القضاء بإنزال العذاب وفيه التفويض العام لله تعالى. يقضي الحق هي قراءة العربيين والأخوين أي يقضي القضاء الحق في كل ما يقضى فيه من تأخير أو تعجيل، وضمن بعضهم يقضي معنى ينفذ فعداه إلى مفعول به. وقيل : يقضي بمعنى يصنع أي كل ما يصنعه فهو حق قال الهذلي :
وعليهما مسدودتان قضاهماداود أو صنع السوابغ تبع
أي صنعهما وقيل حذف الباء والأصل بالحق، ويؤيده قراءة عبد الله وأبي وابن وثاب والنخعي وطلحة والأعمش يقضي بالحق بياء الجر وسقطت الباء خطأ لسقوطها لفظاً لالتقاء الساكنين. وقرأ مجاهد وابن جبير يقضي بالحق.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَـاصِلِينَ﴾ وفي مصحف عبد الله وهو أسرع الفاصلين. وقرأ ابن عباس والحرميان وعاصم ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ من قص الحديث كقوله ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أو من قص الأثر أي اتبعه. وحكى أن أبا عمرو بن العلاء سئل أهو يقص الحق أو يقضي الحق ؟ فقال : لو كان يقص لقال وهو خير القاصين أقرأ حد بهذا وحيث قال ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَـاصِلِينَ﴾ فإنما يكون الفصل في القضاء ؛ انتهى. ولم يبلغ أبا عمرو أنه قرىء بها ويدل على ذلك قوله : أقرأ بها أحد ولا يلزم ما قال، فقد جاء الفصل في القول قال تعالى : إنه لقول فصل وقال :﴿الر كِتَـابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَـاتُهُ﴾، وقال :﴿نُفَصِّلُ الايَـاتِ﴾ فلا يلزم من ذكر الفاصلين أن يكون معيناً ليقضي و﴿خَيْرٌ﴾ هنا أفعل التفضيل على بابها. وقيل : ليست على بابها لأن قضاءه تعالى لا يشبه قضاء ولا يفصل كفصله أحد وهذا الاستدلال يدل على أنها بابها.
اسم الكتاب : تفسير البحر المحيط


الصفحة التالية
Icon