﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِا لَقُضِىَ الامْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لو كان في قدرتي الوصول إلى ما تستعجلون به من اقتراح الآيات أو من حلول العذاب لبادرت إليه ووقع الانفصال بيني وبينكم. وروي عن عكرمة في ﴿لَقُضِىَ الامْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لقامت القيامة وما روي عن ابن جريج من أن المعنى لذبح الموت لا يصح ولا له هنا معنى. وقال الزمخشري و﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِا﴾ من العذاب لأهلكنكم عاجلاً غضباً لربي وامتعاضاً من تكذيبكم به ولتخلصت منكم سريعاً ؛ انتهى. وهو قول ابن عباس لم أمهلكم ساعة ولأهلكنكم. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّـالِمِينَ﴾ الظاهر أن المعنى والله أعلم بكم فوضع الظاهر المشعر بوصفهم بالظلم موضع المضمر ومعنى ﴿أَعْلَمُ﴾ بهم أي بمجازاتهم ففيه وعيد وتهديد. وقيل : بتوقيت عقابهم وقيل : بما آل أمرهم من هداية بعض واستمرار بعض. وقيل : بمن ينبغي أن يؤخذ وبمن يمهل. وقيل : بما تقتضيه الحكمة من عذابهم.
اسم الكتاب : تفسير البحر المحيط
١٤٣
السقوط : الوقوع من علو. الورقة : واحدة الورق من النبات والكاغد وهي معروفة. الرطب واليابس معروفان يقال رطب فهو رطب ورطيب ويبس وييبس، وشذ فيه يبس بحذف الياء وكسر الباء. الكرب الغم يأخذ بالنفس كربت الرجل فهو مكروب. قال الشاعر :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٣
ومكروب كشفت الكرب عنهبطعنة فيصل لما دعاني
الشيعة : الفرقة تتبع الأخرى ويجمع على أشياع، وشيعت فلاناً اتبعته وتقول : العرب شاعكم السلام أي اتبعكم وأشاعكم الله السلم أي اتبعكم. الإبسال : تسليم المرء نفسه للهلاك ويقال أبسلت ولدي أرهنته، قال الشاعر :
وابسالي بني بغير جرمبعوناه ولا بدم مراق
بعوناه جنيناه والبعوا الجناية. الحميم : الماء الحار. الحيرة : التردد في الأمر لا يهتدي إلى مخرج منه ومنه تحير الماء في الغيم يقال حار يحار حيرة وحيراً وحيراناً وحيرورة. الصور : جمع صورة والصور القرن بلغة أهل اليمن. قال :
نحن نطحناهم غداة الجمعينبالشامخات في غبار النقعين
نطحاً شديداً لا كنطح الصورين
﴿وَعِندَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَآ إِلا هُوَ﴾ لما قال تعالى : إن الحكم إلا لله وقال هو أعلم بالظالمين بعد قوله ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِا﴾ انتقل من خاص إلى عام وهو علم الله بجميع الأمور الغيبية، واستعارة للقدرة عليها المفاتح لما كانت سبباً للوصول إلى الشيء فاندرج في هذا العام ما استعجلوا وقوعه وغيره. والمفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهي الآية التي يفتح بها ما أغلق. قال الزهراوي : ومفتح أفصح من مفتاح ويحتمل أن يكون جمع مفتاح لأنه يجوز في مثل هذا أن لا يؤتى فيه بالياء قالوا : مصابح ومحارب وقراقر في جميع مصباح وقرقور. وقرأ ابن السميقع : مفاتيح بالياء وروي عن بعضهم مفتاح الغيب على التوحيد. وقيل : جمع مفتح بفتح الميم ويكون للمكان أي أماكن الغيب ومواضعها يفتح عن المغيبات ويؤيده ما روي عن ابن عباس إنها خزائن المطر والنبات ونزول العذاب. وقال السدي : وغيره خزائن الغيب. وروي عن ابن عمر عنه عليه السلام أنه قال :"مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله"، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَه عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى آخر السورة. وقيل :﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الأمور التي يستدلّ بها على الغائب فتعلم حقيقته من قولك : فتحت على الإمام إذا عرّفته ما نسي. وقال أبو مسعود : أوتي
١٤٤
نبيكم كل شيء إلا مفاتح الغيب. وروي عن ابن عباس أنها خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق. وقال عطاء : ما غاب من الثواب والعقاب وما تصير إليه الأمور. وقال الزجاج : الوصلة إلى علم الغيب إذا استعلم. وقيل : عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال. وقيل : ما لم يكن هل يكون أم لا يكون ؟ وما يكون كيف يكون وما لا يكون إن كان كيف يكون ؟ و﴿لا يَعْلَمُهَآ إِلا هُوَ﴾ حصر أنه لا يعلم تلك المفاتح ولا يطلع عليها غيره تعالى، ولقد يظهر من هؤلاء المنتسبة إلى الصوف أشياء من ادعاء علم المغيبات والاطلاع على علم عواقب أتباعهم وأنهم معهم في الجنة مقطوع لهم ولأتباعهم بها يخبرون بذلك على رؤوس المنابر ولا ينكر ذلك أحد هذا مع خلوهم عن العلوم يوهمون أنهم يعلمون الغيب. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها ومن زعم أن محمداً يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول :﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ وقد كثرت هذه الدّعاوي والخرافات في ديار مصر وقام بها ناس صبيان العقول يسمون بالشيوخ عجزوا عن مدارك العقل والنقل وأعياهم طلاب العلوم :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٣
فارتموا يدعون أمراً عظيمالم يكن للخليل لا والكليم
بينما المرء منهم في انسفالأبصر اللوح ما به من رقوم
فجنى العلم منه غضاً طرياودرى ما يكون قبل الهجوم
إن عقلي لفي عقال إذا ماأنا صدقت بافتراء عظيم


الصفحة التالية
Icon