﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ لما كان ذكره تعالى ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ أمراً معقولاً أخبر تعالى باستئثاره بعلمه واختصاصه به ذكر تعلق علمه بهذا المحسوس على سبيل العموم ثم ذكر علمه بالورقة والحبة والرطب واليابس على سبيل الخصوص، فتحصل إخباره تعالى بأنه عالم بالكليات والجزئيات مستأثر بعلمه وما نعلمه نحن وقدم البر لكثرة مشاهدتنا لما اشتمل عليه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن أو على سبيل الترقي إلى ما هو أعجب في الجملة، لأن ما فيه من أجناس الحيوانات أعجب وطوله وعرضه أعظم والبر مقابل البحر. وقيل :﴿الْبَرِّ﴾ القفار ﴿وَالْبَحْرِ﴾ المعروف فالمعنى ويعلم ما في البر من نبات ودواب وأحجار وأمدار وغير ذلك، وما في البحر من حيوان وجواهر وغير ذلك. وقال مجاهد :﴿الْبَرِّ﴾ الأرض القفار التي لا يكون فيها الماء ﴿وَالْبَحْرِ﴾ كل قرية وموضع فيه الماء. وقيل : لم يرد ظاهر البرّ والبحر وإنما أراد أن علمه تعالى محيط بنا وبما أعد لمصالحنا من منافعهما وخصا بالذكر لأنهما أعظم مخلوق يجاوزنا.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لاستغراق جنس الورقة و﴿يَعْلَمُهَآ﴾ مطلقاً قبل السقوط ومعه وبعده. قال الزجاج :﴿يَعْلَمُهَآ﴾ ساقطة وثابتة كما تقول : ما يجيئك أحد إلا وأنا أعرفه ليس تأويله في حال مجيئه فقط. وقيل : يعلم متى تسقط وأين
١٤٥
تسقط وكم تدور في الهواء. وقيل : يعلمها كيف انقلبت ظهراً لبطن إلى أن وقعت على الأرض، ﴿يَعْلَمُهَآ﴾ في موضع الحال من ﴿وَرَقَةٍ﴾ وهي حال من النكرة. كما تقول : ما جاء أحد إلا راكباً.
﴿وَلا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـاتِ الارْضِ﴾ قيل : تحت الأرض السابعة. وقيل : تحت التراب. وقيل : الحب الذي يزرع يخفيها الزرّاع تحت الأرض. وقيل : تحت الصخرة في أسفل الأرضين. وقيل : ولا حبة إلا يعلم متى تنبت ؟ ومن يأكلها ؟، وانظر إلى حسن ترتيب هذه المعلومات بدأ أولاً بأمر معقول لا ندركه نحن بالحس وهو قوله :﴿وَعِندَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ ثم ثانياً بأمر ندرك كثيراً منه بالحس وهو ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وفيه عموم ثم ثالثاً بجزءين لطيفين أحدهما علوي وهو سقوط ورقة من علوّ إلى أسفل، والثاني سفلي وهو اختفاء حبة في بطن الأرض. ودلت هذه الجمل على أنه تعالى عالم بالكليات والجزئيات وفيها ردّ على الفلاسفة في زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات ومنهم من يزعم أنه تعالى لا يعلم الكليات ولا الجزئيات حتى هو لا يعلم ذاته تعالى الله عن ذلك.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٣