وقال قطرب : وعد، وقال أبو عبيدة : أخبر وهو راجع لمعنى أعلم، وقال مجاهد : أمر وعنه قال : وقيل أقسم وروي عن الزجاج، قال الزمخشري ﴿تَأَذَّنَ﴾ عزم ﴿رَبَّكَ﴾ وهو تفعل من الإيذان وهو الإعلام لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ويؤذنها بفعله وأجري مجرى فعل القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ والمعنى وإذا حتم ربك وكتب على نفسه، وقال ابن عطية : بنية ﴿تَأَذَّنَ﴾ هي التي تقتضي التكسّب من أذن أي علم ومكن فإذا كان مسنداً إلى غير الله لحقّه معنى التكسب الذي يلحق المحدثين وإلى الله كان بمعنى علم صفة لا مكتسبة بل قائمة بالذات فالمعنى وإذا علم الله ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ويقتضي قوة الكلام أن ذلك العلم منه مقترن بإنفاذ وإمضاء كما تقول في أمر قد عزمت عليه غاية العزم على الله لأبعثن كذا نحا إليه أبو علي الفارسي، وقال الطبري وغيره تأذّن معناه أعلم وهو قلق من جهة التصريف إذ نسبه ﴿تَأَذَّنَ﴾ إلى الفاعل غير نسبة أعلم وبين ذلك فرق من التعدي وغيره انتهى وفيه بعض اختصار.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣
وقال أبو سليمان الدمشقي أعلم أنبياء بني إسرائيل ﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾ ليرسلن وليسلطن لقوله ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ﴾ والضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائد على اليهود قاله الجمهور أو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وعلى النصارى قاله مجاهد، وقيل : نسل الممسوخين والذين بقوا منهم وقيل : يهود خيبر وقريظة والنضير وعلى هذا ترتب الخلاف في من ﴿يَسُومُهُمْ﴾، فقيل : بختصر ومن أذلهم بعده إلى يوم القيامة، وقيل المجوس كانت اليهود تؤدي الجزية إليهم إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلّم فضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر، وقيل : العرب كانوا يجبون الخراج من اليهود قاله ابن جبير، وقال السّدّي بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم، وقال ابن عباس المبعوث عليهم محمد صلى الله عليه وسلّم وأمته ولم يجب الخراج بني قط إلا موسى جباه ثلاث سنة ثم أمسك للنبي صلى الله عليه وسلّم، و﴿سُواءُ الْعَذَابِ﴾ الجزية أو الجزية والمسكنة وكلاهما عن ابن عباس أو القتال حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقيل : الإخراج والإبعاد عن الوطن وذلك على قول من قال إن الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائد على أهل خيبر وقريظة والنضير وهذه الآية تدلّ على أن لا دولة لليهود ولا عزّ وأن الذلّ والصغار فيهم لا يفارقهم ولما كان خبراً في زمان الرسول عليه السلام وشاهدنا الأمر كذلك كان خبراً عن مغيب صدقاً فكان معجزاً وأما ما جاء في أتباع الدّجال أنهم هم اليهود فتسمية بما كانوا عليه ذ هم في ذلك الوقت دانوا بإلهية الدجال فلا تعارض بين هذا الخبر إن صح والآية، وفي كتاب ابن عطية : ولقد حدثت أن طائفة من الروم أملقت في صقعها فباعت اليهود المجاورة لهم وتملكوهم.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤١٤
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾. إخبار يتضمن سرعة إيقاع العذاب بهم.
﴿وَإِنَّه لَغَفُورٌ رَّحِيمُ﴾. ترجية لمن آمن منهم ومن غيرهم ووعد لمن تاب وأصلح ﴿وَقَطَّعْنَـاهُمْ فِي الارْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّـالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَالِكَ﴾. أي فرقاً متباينين في أقطار الأرض فقل أرض لا يكون منهم فيها شرذمة وهذا حالهم في كل مكان تحت الصغار والذلّة سواء كان أهل تلك الأرض مسلمين أم كفاراً وأمماً حال، وقال الحوفي مفعول ثان وتقدم قوله هذا في قطعناهم اثنتي عشرة والصالحون من آمن منهم بعيسى ومحمد عليهما السلام أو من آمن بالمدينة ومنهم منحطون عن الصالحين وهم الكفرة وذلك إشارة إلى الصلاح أي ومنهم دون أهل الصلاح لأنه لا يعتدل التقسيم إلا على هذا التقدير من حذف مضاف أو يكون ذلك المعنى به أولئك فكأنه قال ومنهم
٤١٤
قوم دون أولئك، وقد ذكر النحويون أنّ اسم الإشارة المفرد قد يستعمل للمثنى والمجموع فيكون ذلك بمعنى أولئك على هذه اللغة ويعتدل التقسيم والصالحون ودون ذلك ألفاظ محتملة فإن أريد بالصلاح الإيمان فدون ذلك يُراد به الكفار وإن أريد بالصلاح العبادة والخير وتوابع الإيمان كان دون ذلك في مؤمنين لم يبلغوا رتبة الصلاح الذي لأولئك، والظاهر الاحتمال الأول لقوله لعلهم يرجعون إذ ظاهر قوله وبلوناهم إنهم القوم الذين هم دون أولئك وهو من ثبت على اليهودية وخرج من الإيمان ودون ذلك ظرف أصله للمكان ثم يستعمل للانحطاط في المرتبة، وقال ابن عطية : فإن أريد بالصلاح الإيمان فدون ذلك بمعنى غير يراد به الكفرة انتهى، فإن أراد أنّ دون ترادف غيراً فهذا ليس بصحيح وإن أراد أنه يلزم ممن كان دون شيء أن يكون غيراً فصحيح ودون ظرف في موضع رفع نعت لمنعوت محذوف ويجوز في التفصيل بمن حذف الموصوف وإقامة صفته مقامة نحو هذا ومنه قولهم منا ظعن ومنا أقام.