﴿وَبَلَوْنَـاهُم بِالْحَسَنَـاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾. أي بالصحة والرخاء والسعة والسيئات مقابلاتها. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى الطاعة ويتوبون عن المعصية ﴿فَخَلَفَ مِنا بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَـابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. أي حدث من بعد المذكورين خلف، قال الزجاج : يقال للقرن الذي يجيء بعد القرن خلف، وقال الفراء : الخلف القرن والخلف من استخلفه، وقال ثعلب : الناس كلهم يقولون خلف صدق للصالح وخلف سوء للطالح. ومنه قول الشاعر :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤١٤
ذهب الذين يعاش في أكنافهموبقيت في خلف كجلد الأجرب
والمثل : سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت طويلاً ثم تكلّم بكلام فاسد، وعن الفرّاء : الخلف يذهب به إلى الذمّ والخلف خلف صالح. وقال الشاعر :
خلفت خلفاً ولم تدع خلفاكنت بهم كان لا بك التلفا
وقد يكون في الرّدى خلف وعليه قوله :
ألا ذلك الخلف الأعور
وفي الصالح خلف وعلى هذا بيت حسان :
لنا القدم الأولى عليهم وخلفنالأوّلنا في طاعة الله تابع
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ أي ما في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب والذي عليه هوى المجبر هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.
وقال مالك بن دينار رحمه الله : يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به قالوا : سيغفر لنا لن نشرك بالله شيئاً كل أمرهم على الطمع خيارهم فيه المداهنة فهؤلاء من هذه ا لأمة أشباه الذين ذكرهم الله تعالى وتلا الآية انتهى، وهو على طريقة المعتزلة وقوله :﴿إِلا الْحَقَّ﴾ دليل على أنهم كانوا يقولون الباطل على تناولهم عرض الدنيا ﴿وَدَرَسُوا ﴾ معطوف على قوله ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ وفي ذلك أعظم توبيخ وتقريع وهو أنهم كرّروا على ما في الكتاب وعرفوا ما فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله وهذا العطف على التقرير لأنّ معناه قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه كقوله ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ وليثبت معناه قد ربّيناك ولبثت، وقال الطبري وغيره : هو معطوف على قوله ﴿وَرِثُوا الْكِتَـابَ﴾ وفيه بعد، وقيل هو على إضمار قد أي قد ﴿الايَـاتِ مَا فِيهِ﴾ وكونه معطوفاً على التقرير هو الظاهر لأن فيه معنى إقامة الحجة عليهم في أخذ ميثاق الكتاب بكونهم حفظوا لفظه وكرّروه وما نسوه وفهموا معناه وهم مع ذلك لا يقولون إلا الباطل، وقرأ الجحدري ﴿أَن لا يَقُولُوا ﴾ بتاء الخطاب، وقرأ علي والسلمي : وادّارسوا وأصله وتدارسوا كقوله ﴿فَادَّارَءاْتُمْ﴾ أي تدارأتم وقد مر تقريره في العربية، وهذه القراءة توضح أن معنى ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ هو التكرار لقراءته والوقوف عليه وأنّ تأويل من تأوّل ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ أن معناه ومحوه بترك العمل والفهم له من قولهم درست بالريح الآثار إذا محتها فيه بعد ولو كان كما قيل لقيل ربع مدروس وخط مدروس، وإنما قالوا : ربع دارس وخط دارس بمعنى داثر.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤١٤
﴿وَالدَّارُ الاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾. أي ولثواب دار الآخرة خير من تلك الرشوة الخبيثة الخسيسة المعقبة خزي الدنيا والآخرة ومعنى ﴿يَتَّقُونَ﴾ محارم الله تعالى وقرأ أبو عمرو وأهل مكة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ بالياء جرياً على الغيبة في الضمائر السابقة، وقرأ الجمهور بالخطاب على طريقة الالتفات إليهم أو على طريق خطاب هذه الأمة كأنه قيل ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حال هؤلاء وما هم عليه من سوء العمل ويتعجبون من تجارتهم على ذلك.
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَـابِ وَأَقَامُوا الصَّلَواةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾. الظاهر أنّ الكتاب هو السابق ذكره في ﴿وَرِثُوا الْكِتَـابَ﴾ فيجيء الخلاف فيه كالخلاف في ذلك وهو مبني على المراد في قوله ﴿خَلْفٌ وَرِثُوا ﴾، وقيل : الكتاب هنا للجنس أي الكتب الإلهية والتمسّك بالكتاب يستلزم إقامة الصلاة لكنها أفردت بالذكر تعظيماً لشأنها لأنها عماد الدين بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة، وقرأ عمر وأبو العالية وأبو بكر عن عاصم ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ من أمسك والجمهور ﴿يُمَسِّكُونَ﴾ مشدّداً من مسك وهما لغتان جمع بينهما كعب بن زهير فقال :
فما تمسّك بالعهد الذي زعمتإلا كما يمسك الماء الغرابيل


الصفحة التالية
Icon