الملك يومئذ الحق للرحمن الفرقان ٢٦ ومن عرف أنه رحيم وجب أن يتشبه به في كونه رحيما وإذا صار رحيما لم يظلم نفسه ولم يلطخها بالأفعال البهيمية وأما الأولاد السبعة فهي مقابلة الآيات السبع وقبل أن نخوض في بيان تلك المعارضة نذكر دقيقة أخرى وهي أنه تعالى ذكر أن تلك الأسماء الثلاثة المذكورة في التسمية في نفس السورة وذكر معها اسمين آخرين وهما الرب والمالك فالرب قريب من الرحيم لقوله سلام قولا من رب رحيم يس ٥٨ والمالك قريب من الرحمن لقوله تعالى الملك يومئذ الحق للرحمن الفرقان ٢٦ فحصلت هذه الأسماء الثلاثة الرب والملك والإله فلهذا السبب ختم الله آخر سورة القرآن عليها والتقدير كأنه قيل إن أتاك الشيطان من قبل الشهوة فقل أعوذ برب الناس الناس ١ وإن أتاك من قبل الغضب فقل ملك الناس الناس ٢ وإن أتاك من قبل الهوى فقل إله الناس الناس ٣ ولنرجع إلى بيان معارضة تلك السبعة فنقول من قال الحمد لله فقد شكر الله واكتفى بالحاصل فزالت شهوته ومن عرف أنه رب العالمين زال حرصه فيما لم يجد وبخله فيما وجد فاندفعت عنه آفة الشهوة ولذاتها ومن عرف أنه مالك يوم الدين بعد أن عرف أنه الرحمن زال غضبه ومن قال إياك نعبد وإياك نستعين زال كبره بالأول وعجبه بالثاني فاندفعت عنه آفة الغضب بولديها فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم اندفع عنه شيطان الهوى وإذا قال صراط الذين أنعمت عليهم زال عنه كفره وشبهته وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين اندفعت عنه بدعته فثبت أن هذه الآيات السبع دافعة لتلك الأخلاق القبيحة السبعة
الفصل الثالث
في تقرير أن سورة الفاتحة جامعة لكل ما يحتاج الإنسان
إليه في معرفة المبدأ والوسط والمعاد
اعلم أن قوله الحمد لله إشارة إلى إثبات الصانع المختار وتقريره أن المعتمد في إثبات الصانع في القرآن هو الاستدلال بخلقة الإنسان على ذلك ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام قال
ربي الذي يحيي ويميت وقال في موضع آخر
الذي خلقني فهو يهدين وقال موسى عليه السلام
ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى وقال في موضع آخر
ربكم ورب آبائكم الأولين وقال تعالى في أول سورة البقرة يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون البقرة ٢١ وقال في أول ما أنزله على محمد عليه السلام اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق العلق ١ فهذه الآيات الست تدل على أنه تعالى استدل بخلق الإنسان على وجود الصانع تعالى وإذا تأملت في القرآن وجدت هذا النوع من الاستدلال فيه كثيرا جدا واعلم أن هذا الدليل كما أنه في نفسه هو دليل فكذلك هو نفسه إنعام عظيم فهذه الحالة من حيث أنها تعرف العبد وجود الإله دليل ومن حيث أنها نفع عظيم وصل من الله إلى العبد إنعام فلا جرم هو دليل من وجه وإنعام من وجه والإنعام متى وقع بقصد الفاعل إلى إيقاعه إنعاما كان يستحق هو الحمد


الصفحة التالية
Icon