أن يطهر قلوبهم عن الحرج والغم والوحشة الدالة على كفرهم وثالثها أن هذا استعارة عن سقوط وقعه عند الله تعالى وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله والكلام عن هذه الوجوه قد تقدم مراراً
ثم قال تعالى لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْى ٌ وخزي المنافقين هتك سترهم باطلاع الرسول ( ﷺ ) على كذبهم وخوفهم من القتل وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نص الله تعالى في إيجاب الرجم وأخذ الجزية منهم
وَلَهُمْ فِى الاْخِرَة ِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وهو الخلود في النار
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
ثم قال تعالى سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وفيه مسائل
المسألة الأولى قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من سحته ونقل صاحب ( الكشاف ) السحت بفتحتين والسحت بكسر السين وسكون الحاء وكلها لغات
المسألة الثانية ذكروا في لفظ السحت وجوهاً قال الزجاج أصله من سحته إذا استأصله قال تعالى فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ( طه ٦١ ) وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب أي يستأصلهم أو لأنه مسحوت البركة قال تعالى يَمْحَقُ اللَّهُ الْرّبَوااْ ( البقرة ٢٧٦ ) الثاني قال الليث إنه حرام يحصل منه العار وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها والثالث قال الفرّاء أصل السحت شدة الجوع يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلقى إلا جائعاً أبداً فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة وهذا أيضاً قريب من الأول لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه
إذا عرفت هذا فنقول السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد وزاد بعضهم ونقص بعضهم وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك فكان سحتاً لا محالة
المسألة الثالثة في قوله سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ وجوه الأول قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت الثاني قال بعضهم كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم الثالث سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة أكالون للربا لقوله تعالى وَأَخْذِهِمُ الرّبَا ( النساء ١٦١ )
ثم قال تعالى فَانٍ جَاءوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ثم إنه تعالى خيّره بين الحكم فيهم