والاعراض عنهم واختلفوا فيه على قولين الأول أنه في أمر خاص ثم اختلف هؤلاء فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم الثاني أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة وفي قريظة نصف دية فتحاكموا إلى النبي ( ﷺ ) فجعل الدية سواء الثالث أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم
القول الثاني أن الآية عاملاة في كل من الكفار ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم ومنهم من قال إنه منسوخ بقوله تعالى وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ( المائدة ٤٩ ) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين
ثم قال تعالى وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً والمعنى أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له فبيّن تعالى أنه لا تضره عداوتهم له
ثم قال تعالى وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاة ُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
ثم قال تعالى وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاة ُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ وفيه مسألتان
المسألة الأولى هذا تعجيب من الله تعالى لنبيّه عليه الصلاة والسلام بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني ثم تركهم قبول ذلك الحكم فعدلوا عما يعتقدونه حكماً حقاً إلى ما يعتقدونه باطلاً طلباً للرخصة فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه أحدها عدولهم عن حكم كتابهم والثاني رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطن والثالث إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه فبيّن الله تعالى حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله ومن المحافظين على أمر الله وههنا سؤالان
السؤال الأول قوله فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ما موضعه من الاعراب
الجواب إما أن ينصب حالاً من التوراة وهي مبتدأ خبرها عِندَهُمُ وإما أن يرتفع خبراً عنها كقولك وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله تعالى وءما أن لا يكون له محل ويكون المقصود أن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره
السؤال الثاني لم أنث التوراة والجواب الأمر فيه مبني على ظاهر اللفظ
المسألة الثانية احتج جماعة من الحنفية بهذه الآية على أن حكم التوراة وشرائع من قبلنا لازم علينا ما


الصفحة التالية
Icon