حاصلاً في الحال فربما أجاب الله تعالى دعاء إنسان في مطلوبه إلا أنه إنما يوصله إليه في وقته المقدر والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال وهذا كما قال لنوح عليه السلام إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( هود ٤٦ )
واعلم أن هذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى عليه السلام كما أن قوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ( الزمر ٦٥ ) لا يدل على صدور الشرك منه
البحث الثاني قال الزجاج قوله وَلاَ تَتَّبِعَانّ موضعه جزم والتقدير ولا تتبعا إلا أن النون الشديدة دخلت على النهي مؤكدة وكسرت لسكونها وسكون النون التي قبلها فاختير لها الكسرة لأنها بعد الألف تشبه نون التثنية وقرأ ابن عامر وَلاَ تَتَّبِعَانّ بتخفيف النون
وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِاهَ إِلاَّ الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ءَاأنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَة ً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءايَاتِنَا لَغَافِلُونَ
اعلم أن تفسير اللفظ في قوله وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْراءيلَ الْبَحْرَ مذكور في سورة الأعراف والمعنى أنه تعالى لما أجاب دعاءهما أمر بني إسرائيل بالخروج من مصر في الوقت المعلوم ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلاً عن ذلك فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج على عقبهم وقوله فَأَتْبَعَهُمْ أي لحقهم يقال أتبعه حتى لحقه وقوله بَغْيًا وَعَدْوًا البغي طلب الاستعلاء بغير حق والعدو الظلم روي أن موسى عليه السلام لما خرج مع قومه وصلوا إلى طرف البحر وقرب فرعون مع عسكره منهم فوقعوا في خوف شديد لأنهم صاروا بين بحر مغرق وجند مهلك فأنعم الله عليهم بأن أظهر لهم طريقاً في البحر على ما ذكر الله تعالى هذه القصة بتمامها في سائر السور ثم إن موسى عليه السلام مع أصحابه دخلوا وخرجوا وأبقى الله تعالى ذلك الطريق يبساً ليطمع فرعون وجوده في التمكن من العبور فلما دخل مع جمعه أغرقه الله تعالى بأن أوصل أجزاء الماء ببعضها وأزال الفلق فهو معنى قوله فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ وبين ما كان في قلوبهم من البغي وهي محبة الإفراط في قتلهم وظلمهم والعدو وهوتجاوز الحد ثم ذكر تعالى أنه لما أدركه الغرق أظهر كلمة الإخلاص ظناً منه أنه ينجيه من تلك الآفات وههنا سؤالان
السؤال الأول أن الإنسان إذا وقع في الغرق لا يمكنه أن يتلفظ بهذا اللفظ فكيف حكى الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك


الصفحة التالية
Icon