والجواب من وجهين الأول أن مذهبنا أن الكلام الحقيقي هو كلام النفس لا كلام اللسان فهو إنما ذكر هذا الكلام بالنفس لا بكلام اللسان ويمكن أن يستدل بهذه الآية على إثبات كلام النفس لأنه تعالى حكى عنه أنه قال هذا الكلام وثبت بالدليل أنه ما قاله باللسان فوجب الاعتراف بثبوت كلام غير كلام اللسان وهو المطلوب الثاني أن يكون المراد من الغرق مقدماته
السؤال الثاني أنه آمن ثلاث مرات أولها قوله ءامَنتُ وثانيها قوله لا إِلِاهَ إِلاَّ الَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْراءيلَ وثالثها قوله وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فما السبب في عدم القبول والله تعالى متعال عن أن يلحقه غيظ وحقد حتى يقال إنه لأجل ذلك الحقد لم يقبل منه هذا الإقرار
والجواب العلماء ذكروا فيه وجوهاً
الوجه الأول أنه إنما آمن عند نزول العذاب والإيمان في هذا الوقت غير مقبول لأن عند نزول العذاب يصير الحال وقت الإلجاء وفي هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة ولهذا السبب قال تعالى فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ( غافر ٨٥ )
الوجه الثاني هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى والاعتراف بعزة الربوبية وذلة العبودية وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقروناً بالإخلاص فلهذا السبب ما كان مقبولاً
الوجه الثالث هو أن ذلك الإقرار كان مبنياً على محض التقليد ألا ترى أنه قال لا إِلِاهَ إِلاَّ الَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْراءيلَ فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهاً فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده فكان هذا محض التقليد فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولة منه ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من الدهرية وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنو الحجج القطعية والدلائل اليقينية وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد لأنه يكون ضماً لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق
الوجه الرابع رأيت في بعض الكتب أن بعض أقوام من بني إسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون أَنَّهُ لا إِلِاهَ إِلاَّ الَّذِى الَّذِينَ بِهِ بَنواْ إِسْراءيلَ إِسْراءيلَ انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر
الوجه الخامس أن اليهود كانت قلوبهم مائلة إلى التشبيه والتجسيم ولهذا السبب اشتغلوا بعبادة العجل لظنهم أنه تعالى حل في جسد ذلك العجل ونزل فيه فلما كان الأمر كذلك وقال فرعون وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْراءيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا إِسْراءيلَ فكإنه آمن بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول وكل من اعتقد ذلك كان كافراً فلهذا السبب ما صح إيمان فرعون
الوجه السادس لعل الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى والإقرار بنبوة موسى عليه السلام فههنا لما أقر فرعون بالوحدانية ولم يقر بالنبوة لا جرم لم يصح إيمانه ونظيره أن الواحد من الكفار


الصفحة التالية
Icon