من عالم السموات أو من عالم الأرض أما الدلائل السماوية فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب وما يختص به كل واحد منها من المنافع والفوائد وأما الدلائل الأرضية فهي النظر في أحوال العناصر العلوية وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح بعوضة لانقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد ولا شك أن الله سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد فلهذا السبب ذكر قوله قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ ولم يذكر التفصيل فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية حتى أن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل واحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين بعد ذلك أن هذا التفكر والتدبر في هذه الآيات لا ينفع في حق من حكم الله تعالى عليه في الأزل بالشقاء والضلال فقال وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ وفيه مسائل
المسألة الأولى قال النحويون مَا في هذا الموضع تحتمل وجهين الأول أن تكون نفياً بمعنى أن هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله عليه بأنه لا يؤمن كقولك ما يغني عنك المال إذا لم تنفق والثاني أن تكون استفهاماً كقولك أي شيء يغني عنهم وهو استفهام بمعنى الإنكار
المسألة الثانية الآيات هي الدلائل والنذر الرسل المنذرون أو الإنذارات
المسألة الثالثة قرىء وَمَا يُغْنِى بالياء من تحت
فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنَّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ
واعلم أن المعنى هل ينتظرون إلا أياماً مثل أيام الأمم الماضية والمراد أن الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كانوا يتوعدون كفار زمانهم بمجيء أيام مشتملة على أنواع العذاب وهم كانوا يكذبون بها ويستعجلونها على سبيل السخرية وكذلك الكفار الذين كانوا في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام هكذا كانوا يفعلون ثم إنه تعالى أمره بأن يقول لهم فَانتَظِرُواْ إِنّى مَعَكُم مّنَ الْمُنتَظِرِينَ ثم إنه تعالى قال ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وفيه مسائل
المسألة الأولى قرأ الكسائي في رواية نصير نُنَجّى خفيفة وقرأ الباقون مشددة وهما لغتان وكذلك في قوله نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ
المسألة الثانية ثم حرف عطف وتقدير الكلام كانت عادتنا فيما مضى أن نهلكهم سريعاً ثم ننجي رسلنا