المسألة الثالثة لما أمر الرسول في الآية الأولى أن يوافق الكفار في انتظار العذاب ذكر التفصيل فقال العذاب لا ينزل إلا على الكفار وأما الرسول وأتباعه فهم أهل النجاة
ثم قال كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ وفيه مسألتان
المسألة الأولى قال صاحب ( الكشاف ) أي مثل ذلك الإنجاء ننصر المؤمنين ونهلك المشركين وحقاً علينا اعتراض يعني حق ذلك علينا حقاً
المسألة الثانية قال القاضي قوله حَقّاً عَلَيْنَا المراد به الوجوب لأن تخليص الرسول والمؤمنين من العذاب إلى الثواب واجب ولولاه لما حسن من الله تعالى أن يلزمهم الأفعال الشاقة وإذا ثبت وجوبه لهذا السبب جرى مجرى قضاء الدين للسبب المتقدم
والجواب أنا نقول إنه حق بسبب الوعد والحكم ولا نقول إنه حق بسبب الاستحقاق لما ثبت أن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً
قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَاكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ
واعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات أمر رسوله بإظهار دينه وبإظهار المباينة عن المشركين لكي تزول الشكوك والشبهات في أمره وتخرج عبادة الله من طريقة السر إلى الإظهار فقال قُلْ ياأَهْلَ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى واعلم أن ظاهر هذه الآية يدل على أن هؤلاء الكفار ما كانوا يعرفون دين رسول الله ( ﷺ ) وفي الخبر إنهم كانوا يقولون فيه قد صبأ وهو صابىء فأمر الله تعالى أن يبين لهم أنه على دين إبراهيم حنيفاً مسلماً لقوله تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كَانَ أُمَّة ً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ( النحل ١٢٠ ) ولقوله وَجَّهْتُ وَجْهِى َ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ حَنِيفاً ( الأنعام ٧٩ ) ولقوله لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ( الكافرون ٢ ) والمعنى أنكم إن كنتم لا تعرفون ديني فأنا أبينه لكم على سبيل التفصيل ثم ذكر فيه أموراً
فالقيد الأول قوله فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وإنما وجب تقديم هذا النفي لما ذكرنا أن إزالة النقوش الفاسدة عن اللوح لا بد وأن تكون مقدمة على إثبات النقوش الصحيحة في ذلك اللوح وإنما وجب هذا النفي لأن العبادة غاية التعظيم وهي لا تليق إلا بمن حصلت له غاية الجلال والإكرام وأما الأوثان فإنها أحجار والإنسان أشرف حالاً منها وكيف يليق بالأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس


الصفحة التالية
Icon