و(لما شاهد اللعين مانظمه موسى عليه الصلاة والسلام في سلك الاستدلال من البرهان النير على الطراز الرائع خاف أن يظهر للناس أحقية مقالاته عليه الصلاة والسلام وبطلان خرافات نفسه ظهورا بيّنا، فأراد أن يصرفه عليه الصلاة والسلام عن سننه إلى مالا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات، ويشغله عما هو بصدده عسى أن يظهر فيه نوع غفلة؛فيتسلق بذلك إلى أن يدعى بين يدي قومه نوع معرفة)(١)، فقال:’’فما بال القرون الأولى‘‘(٢)،(ذلك أنّ فرعون لمّا أخبره موسى بأنّ ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره)(٣)، فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة؟قال موسى:’’علمها عند ربي‘‘(٤)، أي هو غيب لا يعلمه إلا هو، وإنّما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به في كتاب مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة، ويؤيده قوله:’’في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى‘‘(٥)، والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة الله تعالى(٦).

(١) تفسير أبي السعود(٦/٢٠).
(٢) طه: ٥١].
(٣) تفسير ابن كثير(٣/١٥٦).
(٤) طه: ٥٢].
(٥) طه: ٥٢].
(٦) انظر: تفسير البيضاوي(٤/٥٤).


الصفحة التالية
Icon