(قال فرعون لما سمع منه عليه الصلاة والسلام جواب ما طعن به فيه من تلك المقالة المتينة، وشاهد تصلبه في أمره وعدم تأثره بما قدمه من الإبراق والإرعاد شرع في الإعتراض على دعواه ورأى أنّه لم يرعو بذلك، فبدأ بالإستفسار عن حقيقة المُرْسِل،’’قال فرعون وما رب العالمين‘‘(١)، حكاية لما وقع في عباراته عليه الصلاة والسلام، أي أيُّ شيء رب العالمين الذي ادعيت أنّك رسوله؟متهكما على القول والقائل، ومنكرا لأن يكون للعالمين رب سواه حسبما يعرب عنه قوله:’’أنا ربكم الأعلى‘‘(٢)، وقوله:’’ما علمت لكم من إله غيري‘‘(٣)، وينطق به وعيده عند تمام أجوبته عليه الصلاة والسلام)(٤).
فأجاب موسى بقوله:’’رب السموات والأرض وما بينهما‘‘(٥)،(وهو جواب يُكافئ ذلك التجاهل ويغيظه. إنّه رب هذا الكون الهائل الذي لا يبلغ إليه سلطانك-يافرعون- ولا علمك. وقصارى ما ادعاه فرعون أنّه إله هذا الشعب وهذا الجزء من وادي النيل. وهو ملك صغير ضئيل، كالذرة والهباءة في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما. وكذلك كان جواب موسى-عليه السلام-يحمل استصغار ما يدعيه فرعون مع بطلانه، وتوجيه نظره إلى هذا الكون الهائل، والتفكير فيمن يكون ربه.. فهو رب العالمين!)(٦)... ثمّ عقب على هذا التوجيه بما حكايته:’’إن كنتم موقنين‘‘(٧)، أي(إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم ذلك أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله)(٨).
قال فرعون عند سماع جوابه عليه الصلاة والسلام خوفا من تأثيره في قلوب قومه وإذعانهم له لمن حوله من أشراف قومه:’’ألا تستمعون‘‘(٩)، أي جوابه. سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله(١٠).
(٢) النّازعات: ٢٤].
(٣) القصص: ٣٨].
(٤) تفسير أبي السعود(٦/٢٣٩).
(٥) الشعراء: ٢٤].
(٦) في ظلال القرآن(٦/٢٠٣).
(٧) الشعراء: ٢٤].
(٨) تفسير أبي السعود(٦/٢٣٩).
(٩) الشعراء: ٢٥].
(١٠) انظر: تفسير البيضاوي(٤/٢٣٥)وروح المعاني(١٩/٧٢).