قال موسى تصريحا بما كان مندرجا تحت جوابية السابقين، وحطا لفرعون من ادعاء الربوبية إلى مرتبة المربوبية:’’ربكم ورب آبائكم الأولين‘‘(١)، عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل(٢)،(فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه، والمعنى أنّ هذا الرب الذى أدعوكم إليه هو الذى خلق آباءكم الأولين وخلقكم فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم وله آباء قد دُفنوا كآبائكم؟فلم يجبه فرعون عند ذلك بشىء يعتد به بل جاء بما يشكك قومه، ويخيل إليهم أن هذا الذى قاله موسى مما لايقوله العقلاء)(٣).
(وهذه أشد مساسا بفرعون ودعواه وأوضاعه، فهو يجبهه بأنّ رب العالمين هو ربه، فما هو إلا واحد من عبيده. لا إله كما يدعي بين قومه!وهو رب قومه، فليس فرعون ربهم كما يزعم عليهم!وهو رب آبائهم الأولين. فالوارثة التي تقوم عليها ألوهية فرعون دعوى باطلة. فما كان من قبل إلا الله رب للعالمين!)(٤).
حينئذ خاف من تأثر قومه منه، فأراهم أنّ ما قاله عليه الصلاة والسلام مما لا يصدر عن العقلاء صدا لهم عن قبوله، فقال مؤكدا لمقالته الشنعاء بحرفي التأكيد:’’إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون‘‘(٥)، أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر. قال ذلك ليفتنهم ويصرفهم عن قبول الحق، وسمّاه رسولا بطريق الإستهزاء، وأضافه إلى مخاطبية ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه(٦).

(١) الشعراء: ٢٦].
(٢) روح المعاني(١٩/٧٢).
(٣) فتح القدير(٤/٩٧).
(٤) في ظلال القرآن(٦/٢٠٣).
(٥) الشعراء: ٢٧].
(٦) انظر: تفسير أبي السعود(٦/٢٣٩)وتفسير البيضاي(٤/٢٣٥)وفتح القدير(٤/٩٧).


الصفحة التالية
Icon