قال موسى تكميلا لجوابه الأول وتفسيرا له وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم:’’رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون‘‘(١)، تشهدون كل يوم أنّه يأتي بالشمس من المشرق، ويُحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات، فإن كان لكم عقل علمتم أن لاجواب لكم فوق ذلك، وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة، وتلويح بأنّهم بمعزل من دائرة العقل، وأنّهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة والسلام به من الجنون. لايَنَهُم-عليه السلام-أولا ثمّ لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم، وعارضهم بمثل مقالهم(٢).
قال اللعين لمّا سمع من موسى عليه الصلاة والسلام تلك المقالات المَبنِيّة على أساس الحكم البالغة، وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تَمشِية أمره، وأنّه ممن لا يُجاري في حلبة المحاورة، ضرب صفحا عن عن المقاولة بالإنصاف، ونأى بجانبه إلى عدوة الجور والإعتساف. فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال والجواب:’’لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين‘‘(٣)، عدولا إلى التهديد عن المحاجة بعد الإنقطاع، وهكذا دين المعاند المحجوج، وتلك هي مأساة الطواغيت في كل زمان ومكان(٤).
(٢) انظر: تفسير البيضاوي(٤/٢٣٦)وتفسير أبي السعود(٦/٢٤٠)وروح المعاني(١٩/٧٣)
(٣) الشعراء: ٢٩].
(٤) انظر: تفسير أبي السعود(٦/٢٤٠)وتفسير البيضاوي(٤/٢٣٦)وفتح القدير(٤/٩٨).