والصبر نوعان: (نوع على المقدور كالمصائب، ونوع على المشروع، وهذا النوع-أيضا-نوعان: صبر على الأوامر وصبر عن النواهي، فذاك صبر على الإرادة والفعل وهذا صبر عن الإرادة والفعل. فأمّا النوع الأول من الصبر فمشترك بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، لا يثاب عليه لمجرده إن لم يقترن به إيمان واختيار.. يقول تعالى:’’وإن تصبروا وتتقوا‘‘(١)، فالصبر بدون الإيمان والتقوى بمنزلة قوة البدن الخالي عن الإيمان والتقوى، وعلى حسب اليقين بالمشروع يكون الصبر على المقدور، وقال تعالى:’’فاصبر إنّ وعد الله حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون‘‘(٢)، فأمره أن يصبر ولا يتشبه بالذين لا يقين عندهم في عدم الصبر، فإنّهم لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا وما خفوا ولا استخفوا، فمن قلّ يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف)(٣)، وفي الحديث:’’والصبر ضياء‘‘(٤)، والمراد(أنّ الصبر محمودٌ، لا يزال صاحبه مستضيئا مهتديا مستمرا على الصواب)(٥)

(١) آل عمران: ١٢٠].
(٢) الروم: ٦٠].
(٣) ابن القيم الجوزية: أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي،(٦٩١ـ ٧٥١هـ)، التبيان في أقسام القرآن، جزء واحد، دار الفكر. وسأشير إليه فيما بعد ب: التبيان في أقسام القرآن(١/٥٥). وقالوا: (والصبر على أربع شعب: على الشوق والشفق والزهادة والترقب للموت، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون في المصيبات، ومن ترقب الموت سارع في الخيرات). العدني: محمد بن يحيى بن أبي عمر،(١٥٠- ٢٤٣هـ)، الإيمان، جزء واحد، تحقيق: حمد بن حمدي الجابري الحربي، ط١، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٧هـ.(١/١١٨)، وسأشير إليه لاحقا هكذا(الإيمان للعدني).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء (١/٢٠٣)رقم(٢٢٣).
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم (٣/١٠١).


الصفحة التالية
Icon