وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:’’إنّ الذين قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون‘‘(١). أي إنّ الذين قالوا ربنا الله(اعترافا بربوبيته تعالى وإقرارا بوحدانيته ثم استقاموا، أي ثبتوا على الإقرار ومقتضياته، على أنّ ‘ثم’ للتراخي في الزمان أو في الرتبة، فإنّ الإستقامة لها الشأن كله، وما روى عن الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم في معناها من الثبات على الإيمان، وإخلاص العمل، وأداء الفرائض بيان لجزئياتها، تتنزل عليهم الملائكة من جهته تعالى، يمدونهم فيما يعن لهم من الأمور الدينية والدنيوية بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام)(٢)، ويؤكّد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلّم:’’قل آمنت بالله ثمّ استقم‘‘(٣)،(فالإستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده…ولا يطيقها إلاّ الأكابر لأنّها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق)(٤).
إنّ الاستقامة تجلب الخير الكثير، يقول تعالى:’’وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا‘‘(٥)، أي(لو استقاموا على الطريقة طريقة الحق والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين لأسقيناهم ماء كثيرا)(٦).

(١) فصلت: ٣٠].
(٢) تفسير أبي السعود(٨/١٣). وانظر: تفسير البيضاوي(٥/١٧٩)وتفسير الطبري(٢٤/١١٦)وتفسير الواحدي(٢/٩٥٥)وتفسير البغوي(٤/١١٤).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام(١/٦٥)رقم(٣٨).
(٤) شرح النّووي على صحيح مسلم(٢/٩)مع بعض التصرف.
(٥) الجن: ١٦].
(٦) تفسير القرطبي(١٩/١٨). وانظر: تفسير ابن كثير(٤/٤٣٢)وتفسير الطبري(٢٩/١١٤).


الصفحة التالية
Icon