أمّا الأمر الثاني فيتمثل بعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون الحق ولا يهتدون إلى حقيقة، فهم في ريبهم يترددون، وعلى المصير قلقون، فمن لم يجعل الله نورا فما له من نور، ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. يقول تعالى:’’ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون‘‘(١)، أي(ولا تسلكان طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلان قضائي، فإنّ وعدي لا خالف له، وإنّ وعيدي نازل بفرعون وعذابي واقع به وبقومه)(٢)؛فالإستعجال دليل ضعف وقصر نفس، ويؤدي إلى التساقط على الطريق وعدم إكمال المشوار إلى غايته.
إنّ الإستقامة على المنهج وعدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون ركن أساسي في الإنتصار على الطاغوت، فالتفريط كالإفراط يُطيل المسافة ويُكثر من التضحيات، وإنّ أقصر الطرق وأقلها كلفة هي الطريق التي أرشد الله موسى إليها بالإستقامة وعدم المداهنة مع الطاغوت. يقول الله تعالى:’’ودّوا لو تُدهن فيدهنون‘‘(٣). أي ودُّوا لو تلين في دينك فيلينون في دينهم؛ذلك أنّ المداهنة مصانعة ومجاملة وممايلة ومقاربة في الكلام على حساب الحقيقة في هذا الدين، وهذه أمنية الكافرين أن يُداهن أصحاب الحق في الدين(٤). إنّها مساومة للوصول إلى الحلّ الوسط!بل ونقول: إنّ الملاينة في الدين من قبل بعض المسلمين أدت إلى تفرقة صفهم ووقوع الخلافات فيما بينهم. فهي تجلب الضرر مرتين: مرة بإطماع العدو في التنازل تلو التنازل، ومرة في زعزعة وحدة المسلمين.
الوسيلة الخامسة: الاستعاذة بالله
(٢) تفسير الطبري(١١/١٦١-١٦٢)مع بعض التصرف. وانظر: تفسير البيضاوي(٣/٢١٣)وتفسير أبي السعود(٤/١٧٢)وتفسير الواحدي(١/٥٠٧)وتفسير البغوي(٢/٣٦٦)وفتح القدير(٢/٤٦٩).
(٣) القلم: ٩].
(٤) انظر: تفسير الطبري(٢٩/٢١)وتفسير القرطبي(١٨/٢٣١).