مبدأ التقية وسريّة الإيمان
من المناسب في هذا المقام أن نشير إشارة موجزة إلى مبدأ التَّقِيَّة، وهي(أن يقي نفسه من اللائمة أو من العقوبة بما يُظهِر وإن كان على خلاف ما يضمر)(١)، وذلك لشدة ارتباطه بمسألة التَّخفي وكتمان الإيمان، ولأنّه من المواضيع المُلحة في هذا الزمان حيث يُنكَّل بالمسلمين عموما وبالمجاهدين على وجه الخصوص، وهم يُواجهون الطواغيت التي لا ترحم أبدا. يقول تعالى:’’لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير‘‘(٢). أي(من خاف في بعض البلدان والأوقات من شر الأعداء فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته)(٣)، وذلك معنى قوله تعالى:’’إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‘‘(٤)؛فمن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مُكرهاً لما ناله من ضرب وأذى، أو خاف على نفسه أو على عضو من أعضائه، وقلبه يأبى ما يقول فهو مباح له(٥)، ولكن(من أتى الكفر على اختيار واستحباب فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)(٦). روى البخاري عن أبي الدرداء أنَّه قال:’’إنّا لنكشر(٧) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم‘‘(٨)، وفي هذا دليل على جواز مخالفة الظاهر الباطن في بعض الأحوال.
(٢) آل عمران: ٢٨].
(٣) تفسير ابن كثير(١/٣٥٨)مع بعض التصرف. وانظر: تفسير النسفي(١/١٤٩).
(٤) النحل: ١٠٦].
(٥) انظر: تفسير ابن كثير(٢/٥٨٨)وتفسير أبي السعود(٥/١٤٣).
(٦) تفسير الطبري(١٤/١٨٢).
(٧) ١٣٦٩(الكَشْرُ بدو الأسنان عند التبسم. ويقال: في غير ضحك كشر عن أسنانه إذا أبداها)العين، باب الكاف والشين والراء(٥/٢٩١).
(٨) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب المداراة مع الناس(٥/٢٢٧١)أخرجه البخاري في المعلقات.