لقد كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، أي وهم مستضعفون لأنّه لا يلجأ القوي المنيع للتقية أبدا، وهي-أي التقية-أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان. ولا تُقية في القتل أي قتل مسلم محرم الدم، ولا يأتي مأثما، وهي جائزة للمسلم إلى يوم القيامة في كل مرحلة يكون فيها مستضعفا أو مغلوبا على أمره، وللمؤمن إذا كان قائما بين الكفار أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أكره على الكفر فله أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر من باب العزيمة، وإلاّ فإنّه يجوز له ذلك(١).
فالتقية لا تُباح ولا تجوز إلاّ بشروط وظروف مخصوصة كما ذكر ذلك الفقهاء والعلماء، وليس هنا تفصيل تلك المسألة ولكن أحببت الإشارة إليها لأنّها ممّا يمُس واقع المسلمين، فبالإضافة لما ذكره الأولون تجوز التقية للمجاهدين الذين يخشون على أنفسهم من الانكشاف، كما وتجوز التقية أيضا للمخابرات المسلمة وأجهزة الأمن الخاصة بالمجاهدين وكلّ ما يجلب نفعا ويدرؤ مفسدة عن المسلمين في هذا العصر جازت التقية فيه. والله أعلم.
نظرة تحليلية عامة على كيفية مواجهة فرعون
من خلال النّظر في كيفية مواجهة فرعون، والوسائل التي استعملت في تلك المواجهة نستطيع الخروج بعدة نتائج أهمها ما يلي:
النتيجة الأولى: إنّ جميع هذه الوسائل تندرج في مفهوم جهاد الدفع وليس جهاد الطلب، بل جهاد الصبر والمصابرة والثبات، والسقف الأعلى لتلك الوسائل هو الكلمة للوصول إلى حالة الإنسلاخ عن الطاغوت والتحرر منه، وهذا يعني القضاء على سبب من أسباب ظهور شخصية فرعون، فلو انفض النّاس عن الطواغيت لما كان لهم شأن يُذكر، فليس الطاغوت في نهاية الأمر سوى فرد لا يملك غير قدرات محدودة.

(١) انظر: تفسير القرطبي(٤/٥٧)وتفسير الطبري(٣/٢٢٨).


الصفحة التالية
Icon