النتيجة الثانية: إنّها وسائل تعتمد في جوهرها على الشخصية الصلبة والصابرة، وذلك لعدم تكافؤ القوى؛فالفئة المؤمنة لا تمتلك القدرة ولا الأدوات التي بها تمنع الأذى عن نفسها، فليس أمامها إلاّ الصبر والتّحمل وما قد يُتاح لها من هامش التَّخفي. وهذا ظاهر في شخصية موسى وهارون، ومن دونهم في الصبر كالسحرة، وظاهر أيضا في أسلوب التكتم والسريّة الذي أشرنا إليه في مواضعه.
وذلك ما حدث للأوائل من أمتنا وسادة دعوتنا من الصحابة الأحباب حين واجهوا المحن العظام بصبر تنوء عن حمله الجبال، حتى بلغ الأمر بهم أن شَكُوا لرسول الله أوضاعهم. روى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو متوسد برده في ظل الكعبة، ولقد لقينا معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة، ،فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله، فقعد وهو محمر وجهه، فقال:’’لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه‘‘(١).

(١) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة(٣/١٣٩٨)رقم(٣٦٣٩).


الصفحة التالية
Icon