وعلى أي شكل تكرر فرعون تبقى وسائل الرد بخطوطها الأساسية لا تتغير، وإن حدث تغيير فإنّما هو بالفروع’التكتيك‘. فجوهر المواجهة يتمثل في جماعة مؤمنة صابرة مصابرة تأخذ على عاتقها دفع الثمن بأعلى مستوياته من التضحية، لتكون مثالا للآخرين في الثبات والتصدي. وأي قفز عن هذه الحقيقة في مواجهة الطاغوت يعني إطالة مرحلة الاستعباد والخضوع والخنوع. لابدّ من فئة مؤمنة تدفع الثمن الأول وتكون رأس الحربة التي تطعن الطاغوت، وتتحمّل العبء الأكبر، وحين نجد من يقتحم العقبة نكون قد خطونا الخطوة الأولى على طريق النّصر أو الشهادة. إنّ لنا في قصة فرعون دروسا وفوائد جمة، نُجملها فيما يلي:
أولا: البعد الغيبي في الأحداث حقيقة نوقن بها ولا تُلغي واجب الأخذ بالأسباب
إنّ أول مظهر يتجلى فيه البعد الغيبي في قصة فرعون هو الربط بين الأحداث وسلوك النّاس مع ربهم، فليس هناك حدث إلاّ وهو مرتبط بطبيعة علاقة النّاس مع الله، فالعقوبات التي أنزلها الله على فرعون وآله وقومه ما هي إلاّ انعكاس لتلك العلاقة، يقول تعالى:’’فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين‘‘(١)، فكل مأساة تُصيب البشر فبما كسبت أيديهم ويعفوا عن كثير، يقول تعالى:’’وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير‘‘(٢)،(أيُّ مصيبة كانت من مصائب الدنيا كالمرض وسائر النكبات فبما كسبت أيديكم أي معاصيكم التي اكتسبتموها)(٣)؛ذلك أنّ العقوبة دليل على سوء علاقة المُعاقب مع الله، وهي في ذات الوقت تحذير للمذنب كي يعود إلى الله ويراجع نفسه.
(٢) الشورى: ٣٠].
(٣) روح المعاني(٢٥/٤٠). وهذا مخصوص بالمذنبين(فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعرضه للأجر العظيم بالصبر عليه)تفسير البيضاوي(٥/١٣١).