نعم. إذا أراد الله شيئا لم يمنعه شيء، وإذا أراد الله شيئا هيأ له السبب؛ذلك هو الدرس العظيم المُستفاد من قصة فرعون مع المستضعفين، وهو المعنى المُراد من قوله تعالى:’’ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض‘‘(١)، فليس المُراد هو رفع الظلم عنهم بل جعلهم أئمة؛لأنّ انتصارهم الساحق المبين رغم اختلال موازين القوى الكبير لصالح فرعون يؤكد للنّاس أنّ إرادة الله هي النافذة، ليس في المعركة مع الطواغيت فحسب بل في كلِّ حركة الحياة، وكلّ حركة في الوجود، وذلك هو معنى قوله تعالى:’’ثمّ جئت على قدر يا موسى‘‘(٢)، وبُعث موسى عليه السلام إلى فرعون ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده.. وسارت الأقدار كما شاء الله لها أن تسير.. ثمّ ما كان من أمر هلاك فرعون وجنده. هناك بعد آخر للمعركة مع الطاغوت يغفل عنه كثير من النّاس، فنحن ستار لقدر لا نعلمه، ولكنّنا نؤمن به ونعلم أنّه الحق، فما من غائبة في السماوات ولا في الأرض إلاّ في كتاب من قبل أن يبرأها الله، وهو عليه جلّ شأنه يسير.
ومع كلّ هذه الحقيقة المطلقة فإنّ الأخذ بالأسباب طاعة واجبة، ولكنّها ليست هي الفاعلة، وإنّما الفاعل الحقيقي في كل شيء هو الله، ومن قال بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله ﷺ وخالف سنة الأنبياء، كما أنّ الطمأنينة إلى تلك الأسباب والإلتفات إليها بالقلوب انتكاسة خطيرة؛فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا بل السبب والنتيجة فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته(٣). فلا بدّ إذا من هذا وذاك دون إفراط أو تفريط، فكما كان البعد الغيبي ظاهرا في قصة المواجهة مع فرعون كان الأخذ بالأسباب حاضرا في كل مراحلها.
ثانيا: سنّة أخذ الله للظالمين، وقوله تعالى:’’فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين‘‘(٤).

(١) القصص: ٥-٦].
(٢) طه: ٤٠].
(٣) انظر: تفسير القرطبي(٤/١٨٩).
(٤) الزخرف: ٥٦].


الصفحة التالية
Icon