إنّ الحجة والبرهان لا تُؤدي إلى الإيمان حتما، فبعض النّاس يسير مع البرهان وبعضهم لا يسير معه. فكل النّاس شاهدوا تلك المباراة الشهيرة مع السحرة، وشاهدوا سجود السحرة وإيمانهم الصريح الثابت الواضح، ومع ذلك شاهدنا فرعون يقود جيشا منهم يُلاحق به موسى ومن معه. إذاً هناك مانع يمنع النّاس من الإيمان.. إنّه مرض في قلوبهم. قد يكون الهوى والمصلحة، أو المجاملة والمداهنة ومراعاة العرف والعادة، أو الحقد والحسد…ولكن لن يكون ضعف الدليل أو عدمه سببا بعد أن أُقيمت الحجة وسطع البرهان. بل(لأنّ على قلبه وسمعه و بصره موانع تصد عن الفهم والقبول، وهكذا حال من غلب عليه هواه)(١)، وهذه حقيقة على حملة الدعوة إلى الله أن يتنبهوا لها، يقول تعالى:’’ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله ولكنّ أكثرهم يجهلون‘‘(٢)؛ذلك أنّ المانع عن الإيمان سبب آخر لا يتعلق بضعف الدليل أو قوته.
رابعا: لا أثر للقاعدين على رصيف الحياة
هناك صنف من النّاس يتعلقون بالضعف الموهوم، فهم في جهد دائم للبحث عن علاّقة يعلقون عليها ضعفهم، يقول تعالى:’’إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيرا‘‘(٣). هؤلاء القاعدون على رصيف الحياة أصفار لا قيمة لهم، لقد ظلموا الحق الذي من أجله خُلقوا، وظلموا الرسالة التي أُنيطت بهم حين قعدوا، فبماذا يُجيبون وقد حضرت الملائكة لتتوفاهم وهذا حالهم!
(٢) الأنعام: ١١١].
(٣) النّساء: ٩٧].