وقَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ :" إلَّا مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ : إلَّا مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّكُمْ لَا تُؤَاخَذُونَ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ : إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فَإِنَّكُمْ مُقِرُّونَ عَلَيْهِ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَهَذَا خَطَأٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ أَحَدًا عَلَى عَقْدِ نِكَاحِ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ :﴿ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ إلَى رَجُلِ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ ﴾.
وَقَدْ كَانَ نِكَاحُ امْرَأَةِ الْأَبِ مُسْتَفِيضًا شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ لَنُقِلَ وَاسْتَفَاضَ، فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ : فَإِنَّكُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ بِهِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَى أَحْكَامِهِمْ، فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ فِيمَا لَمْ تَقُمْ عِنْدَهُمْ حُجَّةُ السَّمْعِ بِتَرْكِهِ، فَلَا احْتِمَالَ فِي قَوْلِهِ :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا ؛ وقَوْله تَعَالَى :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ عِنْدَ ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا هَهُنَا، وَسَنَذْكُرُهُ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَعْنَى :﴿ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ هَهُنَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ كَقَوْلِهِ :" لَا تَلْقَ فُلَانًا إلَّا مَا لَقِيت " يَعْنِي لَكِنْ مَا لَقِيت فَلَا لَوْمَ عَلَيْك فِيهِ.
وَقَوْلُهُ :﴿ إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ﴾ هَذِهِ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ النِّكَاحِ ؛ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : النِّكَاحُ بَعْدَ


الصفحة التالية
Icon